هديا بالغ الكعبة
المائدة 95، وأما الصوم فهو عبادة تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق، فله فعلها في أي موضع شاء. وأما إن كان الصيد لا مثل له من النعم كالعصافير. فإنه يقوم، ثم يعرف قدر قيمته من الطعام، فيخرجه لكل مسكين مد، أو يصوم عن كل مد يوما. فنحصل أن ماله مثل من النعم يخير فيه بين ثلاثة أشياء هي الهدي، بمثله، والإطعام، والصيام. وأن ما لا مثل له يخير فيه بين شيئين فقط وهما الإطعام، والصيام على ما ذكرنا. واعلم أن المثل من النعم له ثلاث حالات الأولى أن يكون تقدم فيه حكم من النبي صلى الله عليه وسلم. الثانية أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة، أو التابعين مثلا. الثالثة ألا يكون تقدم فيه حكم منه صلى الله عليه وسلم، ولا منهم رضي الله عنهم. فالذي حكم صلى الله عليه وسلم فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير ذلك، وذلك كالضبع، فإنه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بكبش، قال ابن حجر في التلخيص ما نصه حديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع بكبش " أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان وأحمد، والحاكم في المستدرك من طريق عبد الرحمن بن أبي عمار
" عن جابر بلفظ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال " هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم "
، ولفظ الحاكم " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيبه المحرم كبشا " ، وجعله من الصيد وهو عند ابن ماجه إلا أنه لم يقل نجديا، قال الترمذي سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق وقد أعل بالوقف.
وقال البيهقي هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه البيهقي من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن جابر عن عمر قال " لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش ". الحديث، ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير به موقوفا، وصحح وقفه في هذا الباب الدارقطني، ورواه الدارقطني والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل "
وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، والبيهقي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عنه، وقد أعل بالإرسال. ورواه الشافعي من طريق ابن جريج عن عكرمة مرسلا وقال لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار المتقدم، وقال البيهقي وروي عن ابن عباس موقوفا أيضا. قال مقيده عفا الله عنه قضاؤه صلى الله عليه وسلم في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البخاري وعبد الحق له، وكذلك البيهقي والشافعي وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحا من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى. كما هو الصحيح عند المحدثين لأن الوصل والرفع من الزيادات، وزيادة العدل مقبولة كما هو معروف، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود
والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ.. إلخ
وأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة، أو ممن بعدهم. فقال بعض العلماء يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما من جديد، لأن الله قال
يحكم به ذوا عدل منكم
المائدة 95، وقد حكما بأن هذا مثل لهذا. وقال بعض العلماء لا بد من حكم عدلين من جديد، وممن قال به مالك، قال القرطبي ولو اجتزأ بحكم الصحابة رضي الله عنهم لكان حسنا. وروي عن مالك أيضا أنه يستأنف الحكم في كل صيد ما عدا حمام مكة، وحمار الوحش، والظبي، والنعامة، فيكتفي فيها بحكم من مضى من السلف، وقد روي عن عمر " أنه حكم هو وعبد الرحمن بن عوف في ظبي بعنز " أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما. وروي عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد رضي الله عنهما " أنهما حكما في الظبي بتيس أعفر " ، وعن ابن عباس وعمر، وعثمان وعلي، وزيد بن ثابت ومعاوية، وابن مسعود وغيرهم، " أنهم قالوا في النعامة بدنة " ، أخرجه البيهقي وغيره. وعن ابن عباس وغيره " أن في حمار الوحش والبقرة بقرة، وأن في الأيل، بقرة ". وعن جابر " أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة " ، أخرجه مالك والبيهقي، وروى الأجلح بن عبد الله هذا الأثر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح موقوف على عمر كما ذكره البيهقي وغيره، وقال البيهقي وكذلك رواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن عمر من قوله، وعن ابن عباس " أنه قضى في الأرنب بعناق، وقال هي تمشي على اربع، والعناق كذلك، وهي تأكل الشجر، والعناق كذلك وهي تجتر، والعناق كذلك " رواه البيهقي.