ومن قتله منكم متعمدا
المائدة 95 الآية، لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء، وقال بعض العلماء لا يحكم عليه بالجزاء إلا مرة واحدة، " فإن عاد لقتله مرة ثانية لم يحكم عليه، وقيل له ينتقم الله منك " ، لقوله تعالى
ومن عاد فينتقم الله منه
المائدة 95 الآية. ويروى هذا القول عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وإبراهيم، ومجاهد، وشريح، كما نقله عنهم القرطبي، وروي عن ابن عباس أيضا أنه يضرب حتى يموت. المسالة السابعة إذا دل المحرم حلالا على صيد فقتله، فهل يجب على المحرم جزاء لتسببه في قتل الحلال للصيد بدلالته له عليه أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة إلى أن المحرم الدال يلزمه جزاؤه كاملا، ويروى نحو ذلك عن علي، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد وبكر المزني، وإسحاق، ويدل لهذا القول سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه، " هل أشار أحد منهم إلى أبي قتادة على الحمار الوحشي "؟ فإن ظاهره أنهم لو دلوه عليه كان بمثابة ما لو صادوه في تحريم الأكل.
ويفهم من ذلك لزوم الجزاء، والقاعدة لزوم الضمان للمتسبب إن لم يمكن تضمين المباشر، والمباشر هنا لا يمكن تضمينه الصيد. لأنه حلال، والدال متسبب، وهذا القول هو الأظهر، والذين قالوا به منهم من أطلق الدلالة، ومنهم من اشترط خفاء الصيد بحيث لا يراه دون الدلالة، كأبي حنيفة، وقال الإمام الشافعي وأصحابه، لا شيء على الدال. وروي عن مالك نحوه، قالوا لأن الصيد يضمن بقتله، وهو لم يقتله وإذا علم المحرم أن الحلال صاده من أجله فأكل منه، فعليه الجزاء كاملا عند مالك، كما صرح بذلك في موطئه، وأما إذا دل المحرم محرما آخر على الصيد فقتله، فقال بعض العلماء عليهما جزاء واحد بينهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال عطاء، وحماد بن أبي سليمان كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وقال بعض العلماء على كل واحد منهما جزاء كامل، وبه قال الشعبي، وسعيد بن جبير، والحارث العكلي، وأصحاب الراي، كما نقله عنهم أيضا صاحب المغني. وقال بعض العلماء الجزاء كله على المحرم المباشر، وليس على المحرم الدال شيء، وهذا قول الشافعي، ومالك، وهو الجاري على قاعدة تقديم المباشر على المتسبب في الضمان، والمباشر هنا يمكن تضمينه لأنه محرم، وهذا هو الأظهر، وعليه فعلى الدال الاستغفار والتوبة، وبهذا تعرف حكم ما لو دل محرم محرما، ثم دل هذا الثاني محرما ثالثا، وهكذا، فقتله الأخير، إذ لا يخفى من الكلام المتقدم أنهم على القول الأول شركاء في جزاء واحد. وعلى الثاني على كل واحد منهم جزاء، وعلى الثالث لا شيء إلا على من باشر القتل. المسالة الثامنة إذا اشترك محرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم، كما إذا حذفوه بالحجارة والعصي حتى مات، فقال مالك وأبو حنيفة على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو قتلت جماعة واحدا، فإنهم يقتلون به جميعا، لأن كل واحد قاتل. وكذلك هنا كل واحد قاتل صيدا فعليه جزاء. وقال الشافعي ومن وافقه عليهم كلهم جزاء واحد، لقضاء عمر وعبد الرحمن، قاله القرطبي، ثم قال أيضا وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا فمرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر فذكروا له ذلك، فقال عليكم كلكم كبش، قالوا أو على كل واحد منا كبش، قال " إنكم لمعزز بكم عليكم كلكم كبش ". قال اللغويون لمعزز بكم أي لمشدد عليكم. وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعا فقال " عليهم كبش يتخارجونه بينهم " ودليلنا قول الله سبحانه
ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما قتل من النعم
المائدة 95. وهذا خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين الصيد قاتل نفسا على التمام والكمال بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص. وقد قلنا بوجوبه إجماعا منا ومنهم فثبت ما قلناه. وقال ابو حنيفة إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وهم محلون، فعليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل أو الحرم، فإن ذلك لا يختلف. وقال مالك على كل واحد منهم جزاء كامل. بناء على أن الرجل يكون محرما بدخوله الحرم، كما يكون محرما بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي، قال السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة. وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحلون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محترمة، بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة فإن كل واحد منهم قاتل دابة. ويشتركون في القيمة، قال ابن العربي وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا، اه من القرطبي. المسألة التاسعة اعلم أن الصيد ينقسم إلى قسمين قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير. وجمهور العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة، وخالف الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الجمهور، فقال إن المماثلة معنوية، وهي القيمة، أي قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه، أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاما، ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر. واحتج أبو حنيفة - رحمه الله - بأنه لو كان الشبه من طريق الخلقة والصورة معتبرا في النعامة بدنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عدلين يحكمان به، لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه، ويختلف فيه وجه النظر. ودليل الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى