لأنه مما طبيعته أن يؤذي. وقد قدمنا عن الشافعي، وأحمد، وغيرهم، أنه لا شيء في غير الصيد المأكول، وهو ظاهر القرآن العظيم. المسألة الرابعة أجمع العلماء على أن المحرم إذا صاد الصيد المحرم عليه، فعليه جزاؤه، كما هو صريح قوله تعالى
فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره
المائدة 95. اعلم أولا أن المراد بقوله
ومن قتله منكم متعمدا
المائدة 95 أنه متعمد قتله، ذاكر إحرامه، كما هو صريح الآية. وقول عامة العلماء. وما فسره به مجاهد، من أن المراد أنه متعمد لقتله ناس لإحرامه، مستدلا بقوله تعالى بعده
ومن عاد فينتقم الله منه
المائدة 95 قال لو كان ذاكرا لإحرامه، لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. وقال إن كان ذاكرا لإحرامه، فقد بطل حجه لارتكابه محظور الإحرام غير صحيح، ولا ظاهر لمخالفته ظاهر القرآن بلا دليل. ولأن قوله تعالى
ليذوق وبال أمره
المائدة 95، يدل على أنه متعمد ارتكاب المحظور، والناسي للإحرام غير متعمد محظورا. إذا علمت ذلك، فاعلم أن قاتل الصيد متعمدا، عالما بإحرامه، عليه الجزاء المذكور، في الآية، بنص القرآن العظيم، وهو قول عامة العلماء. خلافا لمجاهد، ولم يذكر الله تعالى، في هذه لآية الكريمة حكم الناسي، والمخطئ. والفرق بينهما أن الناسي هو من يقصد قتل الصيد ناسيا إحرامه، والمخطئ هو من يرمي غير الصيد، كما لو رمى غرضا فيقتل الصيد من غير قصد لقتله. ولا خلاف بين العلماء أنهما لا أثم عليهما، لقوله تعالى
وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به
الأحزاب 5 الآية. ولما قدمنا في صحيح مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا
البقرة 286 أن الله قال قد فعلت ". أما وجوب الجزاء عليهما فاختلف فيه العلماء. فذهب جماعة من العلماء منهم المالكية، والحنفية، والشافعية، إلى وجوب الجزاء، في الخطأ، والنسيان، لدلالة الأدلة. على أن غرم المتلفات لا فرق فيه بين العامد، وبين غيره، وقالوا لا مفهوم مخالفة لقوله متعمدا لأنه جري على الغالب، إذ الغالب ألا يقتل المحرم الصيد إلا عامدا، وجرى النص على الغالب من موانع اعتبار دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في موانع اعتبار مفهوم المخالفة
أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب
ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى
اللاتي في حجوركم
النساء 23 لجريه على الغالب، وقال بعض من قال بهذا القول، كالزهري وجب الجزاء في العمد بالقرآن العظيم، وفي الخطأ والنسيان بالسنة، قال ابن العربي إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس، و عمر فنعما هي، وما أحسنها إسوة.
واحتج أهل هذا القول. بأنه صلى الله عليه وسلم " سئل عن الضبع فقال
" هي صيد "
، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا، ولم يقل عمدا ولا خطأ، فدل على العموم، وقال ابن بكير من علماء المالكية قوله سبحانه ﴿ متعمدا ﴾ لم يرد به التجاوز عن الخطأ، وذكر التعمد لبيان أن الصيد ليس كابن آدم الذي ليس في قتله عمدا كفارة. وقال القرطبي في تفسيره إن هذا القول بوجوب " الجزاء على المخطئ، والناسي والعامد " ، قاله ابن عباس، وروي عن عمر، وطاوس، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وبه قال مالك، والشافعي، وابو حنيفة، وأصحابهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الناسي، والمخطئ لا جزاء عليهما، وبه قال القرطبي، وأحمد بن حنبل، في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير، وأبو ثور، وهو مذهب داود، وروي أيضا عن ابن عباس، وطاوس، كما نقله عنهم القرطبي. واحتج أهل هذا القول بأمرين الأول مفهوم قوله تعالى
ومن قتله منكم متعمدا
المائدة 95 الآية، فإنه يدل على أن غير المتعمد ليس كذلك. الثاني أن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها، فعليه الدليل. قال مقيده عفا الله عنه هذا القول قوي جدا من جهة النظر، والدليل. المسالة الخامسة إذا صاد المحرم الصيد، فاكل منه، فعليه جزاء واحد لقتله، وليس في أكله إلا التوبة والاستغفار، وهذا قول جمهور العلماء، وهو ظاهر الآية خلافا لأبي حنيفة القائل بأن عليه أيضا جزاء ما أكل يعني قيمته، قال القرطبي وخالفه صاحباه في ذلك، ويروى مثل قول أبي حنيفة عن عطاء. المسألة السادسة إذا قتل المحرم الصيد مرة بعد مرة، حكم عليه بالجزاء في كل مرة، في قول جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم، وهو ظاهر قوله تعالى