وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به
الأحزاب 5، وقال صلى الله عليه وسلم
" إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه "
، وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، فإن العلماء تلقوه بالقبول قديما وحديثا، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا
البقرة 286، قال الله نعم " ومن حديث ابن عباس قال الله " قد فعلت " وكون من فعل ناسيا لا يحنث هو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وإسحاق، ورواية عن أحمد، كما قاله صاحب المغني، ووجه هذا القول ظاهر للأدلة التي ذكرنا. الثاني وذهب قوم إلى أنه يحنث مطلقا، وهو مشهور مذهب مالك، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري وقتادة، وربيعة وأبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم صاحب المغني، ووجه هذا القول عند القائل به أنه فعل ما حلف لا يفعله عمدا، فلما كان عامدا للفعل الذي هو سبب الحنث لم يعذر بنسيانه اليمين، ولا يخفى عدم ظهوره. الثالث وذهب قوم إلى الفرق بين الطلاق والعتق وبين غيرهما، فلا يعذر بالنسيان في الطلاق والعتق، ويعذر به في غيرهما، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد، كما قاله صاحب المغني قال واختاره الخلال، وصاحبه، وهو قول أبي عبيد.
قال مقيده عفا الله عنه وهذا القول الأخير له وجه من النظر، لأن في الطلاق والعتق حقا لله وحقا للآدمي، والحالف يمكن أن يكون متعمدا في نفس الأمر، ويدعي النسيان لأن العمد من القصود الكامنة التي لا تظهر حقيقتها للناس، فلو عذر بادعاء النسيان لأمكن تأدية ذلك إلى ضياع حقوق الآدميين، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة إذا حلف لا يفعل أمرا من المعروف كالإصلاح بين الناس ونحوه، فليس له الامتناع عن ذلك، والتعلل باليمين بل عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير لقوله تعالى
ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس
البقرة 224 الآية، أي لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، ونظير الآية قوله تعالى في حلف أبي بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح، لما قال في عائشة رضي الله عنها ما قال
ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم
النور 22. وقوله صلى الله عليه وسلم
" والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه "
، متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقوله صلى الله عليه وسلم
" إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها "
، متفق عليه أيضا من حديث أبي موسى. وقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة
" يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسال الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك "
، متفق عليه أيضا، والأحاديث في الباب كثيرة. وهذا هو الحق في المسألة خلافا لمن قال كفارتها تركها متمسكا بأحاديث وردت في ذلك، قال أبو داود والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها
" فليكفر عن يمينه "
، وهي الصحاح، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى ﴿ أو تحرير رقبة ﴾. لم يقيد هنا ﴿ رقبة ﴾ كفارة اليمين بالإيمان، وقيد به كفارة القتل خطأ. وهذه من مسائل المطلق والمقيد في حالة اتفاق الحكم، مع اختلاف السبب، وكثير من العلماء يقولون فيه بحمل المطلق على المقيد فتقيد رقبة اليمين والظهار بالقيد الذي في رقبة القتل خطأ، حملا للمطلق على المقيد، وخالف في ذلك أبو حنيفة ومن وافقه. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب في سورة النساء عند قوله تعالى