تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قدمنا قول الشافعي بالكفارة فيها، وفيها عند المالكية تفصيل، وهو وجوب الكفارة في غير المتعلقة بالزمن الماضي منها، واعلم أن اليمين منقسمة أيضا إلى يمين منعقدة على بر، ويمين منعقدة على حنث، فالمنعقدة بر، هي التي لا يلزم حالفها تحليل اليمين كقوله " والله لا أفعل كذا " ، والمنعقدة على حنث، هي التي يلزم صاحبها حل اليمين بفعل ما حلف عليه، أو بالكفارة كقوله " والله لأفعلن كذا " ، ولا يحكم بحنثه في المنعقدة على حنث حتى يفوت إمكان فعل ما حلف عليه، إلا إذا كانت مؤقتة بوقت فيحنث بفواته، ولكن إن كانت بطلاق كقوله على طلاقها " لأفعلن كذا " فإنه يمنع من وطئها حتى يفعل ما حلف عليه، لأنه لا يدري أيبر في يمينه أم يحنث؟ ولا يجوز الإقدام على فرج مشكوك فيه عند جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه. وقال بعض العلماء لا يمنع من الوطء، لأنها زوجته، والطلاق لم يقع بالفعل، وممن قال به أحمد. المسألة الثانية اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق لقوله صلى الله عليه وسلم

" من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت "

، ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا من كان، كما أنها لا تجوز بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله، فقول بعض أهل العلم بانعقاد اليمين به صلى الله عليه وسلم لتوقف إسلام المرء على الإيمان ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم. المسالة الثالثة يخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء الأول إبرارها بفعل ما حلف عليه. الثاني الكفارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده على التحقيق. الثالث الاستثناء بنحو إن شاء الله، والتحقيق أنه حل لليمين لا بدل من الكفارة، كما زعمه ابن الماجشون، ويشترط فيه قصد التلفظ به، والاتصال باليمين، فلا يقبل الفصل بغير ضروري كالسعال، والعطاس، وما ذهب إليه ابن عباس وغيره من جواز تراخي الاستثناء. فالتحقيق فيه أن المراد به أن العبد يلزمه إذا قال " لأفعلن كذا " أن يقول إن شاء الله، كما صرح به تعالى في قوله

ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء الله

الكهف 23-24 فإن نسي الاستثناء بإن شاء، وتذكره ولو بعد فصل، فإنه يقول إن شاء الله. ليخرج بذلك من عهدة عدم تفويض الأمور إلى الله وتعليقها بمشيئته، لا من حيث إنه يحل اليمين التي مضت وانعقدت. ويدل لهذا أنه تعالى قال لأيوب

وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث

ص 44، ولو كان تدارك الاستثناء ممكنا لقال له قل إن شاء الله، ويدل له أيضا أنه ولو كان كذلك لما علم انعقاد يمين لإمكان أن يلحقها الاستثناء المتأخر، واعلم أن الاستثناء بإن شاء الله يفيد في الحلف بالله إجماعا. واختلف العلماء في غيره كالحلف بالطلاق والظهار والعتق، كأن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، أو أنت حرة إن شاء الله، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفيد في شيء من ذلك، لأن هذه ليست أيمانا، وإنما هي تعليقات للعتق والظهار والطلاق. والاستثناء بالمشيئة إنما ورد به الشرع في اليمين دون التعليق، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وبه قال الحسن، والأوزاعي، وقتادة، ورجحه ابن العربي وغيره. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يفيد في ذلك كله، وبه قال الشافعي. وأبو حنيفة، وطاوس، وحماد، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وفرق قوم بين الظهار وبين العتق والطلاق، لأن الظهار فيه كفارة فهو يمين تنحل بالاستثناء، كاليمين بالله والنذر، ونقله ابن قدامة في المغني عن أبي موسى، وجزم هو به. المسالة الرابعة لو فعل المحلوف عن فعله ناسيا، ففيه للعلماء ثلاثة مذاهب الأول لا حنث عليه مطلقا، لأنه معذور بالنسيان، والله تعالى يقول

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٥