قال طاوس وغيره ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر. وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين. قال القشيري ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر، وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضا أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، انتهى كلام القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية ﴿ هم الكافرون ﴾ المائدة 44 نازلة في المسلمين، لأنه تعالى قال قبلها مخاطبا لمسلمي. هذه الأمة ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ﴾ المائدة 44، ثم قال ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ المائدة 44 فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلا له، أو قاصدا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنبا فاعل قبيحا، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين، وسياق القرآن ظاهر أيضا في أن آية ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ المائدة 45 في اليهود لأنه قال قبلها ﴿ وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ المائدة 45. فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر أيضا في أن آية
فأولئك هم الفاسقون
المائدة 47 في النصارى، لأنه قال قبلها
وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون
المائدة47. واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مرادا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾ معارضة للرسل وإبطالا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾ معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى ﴿ وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس ﴾ الآية.
قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارة إلى أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الآية. ومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون صدقتهم كفارة لهم، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، نبه على هذا إسماعيل القاضي في أحكام القرآن كما نقله ابن حجر في فتح الباري، وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضا على عدم دخول العبد، بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه، لأن الحق لسيده غير مسلم، لأن من العلماء من يقول إن الأمور المتعلقة ببدن العبد، كالقصاص له العفو فيها دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال إن معنى ﴿ فهو كفارة له ﴾ المائدة 45، أن التصدق بالجناية كفارة للجاني، لا للمجني عليه، فلا مانع أيضا من الاستدلال المذكور بالآية، لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق، لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى، في معرض التقرير والإثبات، مع أن هذا القول ضعيف في معنى الآية. وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها فهو كفارة للمتصدق، وهو أظهر. لأن الضمير فيه عائد إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعا دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهر جدا. تنبيه احتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يقتل اثنان بواحد، لأنهما لو قتلا به لخرج عن قوله ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ المائدة 45 لكونهما نفسين بنفس واحدة. وممن قال بهذا متمسكا بهذا الدليل ابن الزبير، و الزهري، و ابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن ابي موسى، عن ابن عباس، وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية. لأن كل واحد منهم مكافئ له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة في المغني. وقالوا مقتضى قوله تعالى ﴿ الحر بالحر ﴾ ، وقوله ﴿ وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس ﴾ المائدة 45 أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، قالوا ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع القصاص، بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى. وقال ابن المنذر لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد، وعدم قتل الجماعة بالواحد رواية عن الإمام أحمد. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد. ومذهب الأئمة الثلاثة أنه يقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل سبعة بواحد، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا، وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه، فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب.