تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" عن أبي بن عمارة رضي الله عنه " أنه قال يا رسول الله امسح على الخفين؟ قال نعم قال يوما قال نعم، قال ويومين، قال نعم، قال وثلاثة ايام، قال نعم، وما شئت ".

وهذا الحديث وإن كان لا يصلح دليلا مستقلا، فإنه يصلح لتقوية غيره من الأحاديث التي ذكرنا.

فحديث أنس في عدم التوقيت صحيح. ويعتضد بحديث خزيمة الذي فيه الزيادة، وحديث ميمونة، وحديث أبي بن عمارة، وبالآثار الموقوفة على عمر، وابنه، وعقبة بن عامر، رضي الله عنهم. تنبيه الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنه لا يمكن الجمع في هذه الأحاديث بحمل المطلق على المقيد، لأن المطلق هنا فيه التصريح بجواز المسح أكثر من ثلاث للمسافر، والمقيم، و المقيد فيه التصريح بمنع الزائد على الثلاث للمسافر واليوم والليلة للمقيم. فهما متعارضان في ذلك الزائد، فالمطلق يصرح بجوازه، والمقيد يصرح بمنعه، فيجب الترجيح بين الأدلة، فترجح أدلة التوقيت بأنها أحوط، كما رجحها بذلك ابن عبد البر، وبأن رواتها من الصحابة أكثر، وبأن منها ما هو ثابت في صحيح مسلم، وهو حديث علي رضي الله عنه المتقدم. وقد ترجح أدلة عدم التوقيت بأنها تضمنت زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وبأن القائل بها مثبت أمرا، والمانع منها ناف له، والمثبت أولى من النافي. قال مقيده عفا الله عنه والنفس إلى ترجيح التوقيت أميل، لأن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض العلماء

وإن الأورع الذي يخرج من خلافهم ولو ضعيفا فاستبن

وقال الآخر

وذو احتياط في أمور الدين من فر من شك إلى يقين

ومصداق ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم

" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ".

فالعامل بأدلة التوقيت طهارته صحيحة باتفاق الطائفتين، بخلاف غيره فإحدى الطائفتين تقول ببطلانها بعد الوقت المحدد، والله تعالى أعلم. واعلم أن القائلين بالتوقيت اختلفوا في ابتداء مدة المسح. فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وسفيان الثوري، وداود في أصح الروايتين، وغيرهم، إلى أن ابتداء مدة التوقيت من أول حدث يقع بعد ليس الخف، وهذا قول جمهور العلماء. واحتج أهل هذا القول بزيادة رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان من الحدث إلى الحدث. قال النووي في " شرح المهذب " وهي زيادة غريبة ليست ثابتة. واحتجوا أيضا بالقياس وهو أن المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياسا على الصلاة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث. وممن قال بهذا، الأوزاعي، وأبو ثور، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وداود، ورجح هذا القول النووي، واختاره ابن المنذر، وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. واحتج أهل هذا القول بأحاديث التوقيت في المسح، وهي أحاديث صحاح. ووجه احتجاجهم بها أن قوله صلى الله عليه وسلم

" يمسح المسافر ثلاثة أيام "

صريح، في أن الثلاثة كلها ظرف للمسح. ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، وهذا هو أظهر الأقوال دليلا فيما يظهر لي، والله تعالى أعلم.

وفي المسألة قول ثالث، وهو أن ابتداء المدة من حين لبس الخف، وحكاه الماوردي والشاشي، عن الحسن البصري، قاله النووي، والله تعالى أعلم. المسالة السادسة اختلف العلماء هل يكفي مسح ظاهر الخف، أو لا بد من مسح ظاهره وباطنه. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يكفي مسح ظاهره. وممن قال أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، والوزاعي، وحكاه ابن المنذر، عن الحسن، وعروة بن الزبير، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وغيرهم. وأصح الروايات عن أحمد أن الواجب مسح أكثر أعلى الخف، وأبو حنيفة يكفي عنده مسح قدر ثلاثة أصابع من أعلى الخف. وحجة من اقتصر على مسح ظاهر الخف دون أسفله، حديث

" علي رضي الله عنه قال " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٤