ولذا تجد الناس ينذرون لله صوم اليوم الذي ينعم الله عليهم فيه بشفاء المريض إتيان الغائب، وهذا أمر معروف وهو المعقول لا عكسه.
ومما يوضح هذا أن إنزال القرآن العظيم هو أعظم نعمة على البشر.
ولأجل ذلك علمهم الله حمده تعالى على هذه النعمة العظمى في أول سورة الكهف في قوله تعالى
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب
[الكهف: 1] الآية.
وقد بين تعالى أنه أنزل هذه النعمة في شهر رمضان، فكان نزول هذه النعمة في شهر رمضان مقتضيا لصومه لا لجعل أيامه أعيادا يستقبح صومها، لأن الله تعالى قال
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان
[البقرة: 185].
وهذا هو أعظم النعم، وقد رتب على هذا بالفاء قوله بعده،
فمن شهد منكم الشهر فليصمه
[البقرة: 185]. الآية فافهم.
والمقصود بهذا المثال النصيحة للذين لم يقدروا على غير هذا التقليد الأعمى ليبحثوا في كتب المذهب وأمهاته عن أقوال الإمام وكبار أصحابه ليفرقوا بينها وبين أنواع الاستحسان التي لا مستند لها، التي يدخلها المتأخرون وقتا بعد وقت وهي ظاهرة الفساد عند من رزقه الله علما بكتاب الله وسنة رسوله.
ومما لا شك فيه أن أقوال مالك وكبراء أصحابه مثلا، أحرى بالصواب في الجملة من استحسان ابن عباس وابن عاشر وأمثالهما.
التنبيه العاشر.
اعلم أن الدعوى التي اتفق عليها متأخرو الأصوليين التي تتضمن حكمهم على خالق السماوات والأرض جل وعلا لا يجوز لمسلم يريد الحق والإنصاف أن يعقتدها، ولا أن يصدقهم فيها لظهور عدم صحتها ومخالفتها للنص، والحكم فيها على الله بلا مستند، وهو جل وعلا الذي يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
وهذه الدعوى المذكورة هي المتركبة مما يأتي، وهو أن الاجتهاد قد انقرض في الدنيا واسند بابه.
وأن الله تعالى تحكوم عليه بأن لا يخلق مجتهدا ولا يعلم أحدا من خلقه علما يمكن أن يكون به مجتهدا إلى ظهور المهدي المنتظر.
وأنه لا يجوز لأحد أن يعمل بكتاب ولا سنة ولا أن يقلد أحدا كائنا من كان غير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة، كما نص على هذه الدعوى حاكيا إجماعهم عليها صاحب مراقي السعود في قوله:
والمجمع اليوم عليه الأربعه
وقفو غيرها الجميع منعه
حتى يجيء الفاطم المجدد
دين الهدى لأنه مجتهد
ومراده بالفاطمي المهدي المنتظر لأنه شريف.
وقوله: حتى يجيء. حرف غاية، والمغيا به، منع تقليد أحد غير الأربعة المذكور في قوله: وقفوا غيرها الجميع منعه.
وهذا صريح في أنهم حاكمون على الله القدير العليم، بأنه لا يخلق مجتهدا قبل وجود المهدي المنتظر، وهذا الذي قاله صاحب مراقي السعود هو المقرر في كتب المتأخرين من الأصوليين من أهل المذاهب المدونة.
وهذا الحكم على الله الذي كل يوم هو في شأن بأنه لا يخلق مجتهدا قبل المهدي من مدة انقراض الاجتهاد المزعوم هو يا أخي كما ترى.
ولا شك أنك إن لم يعمك التعصب المذهبي تقطع أنه لا مستند له، وهذا الذي ذكره صاحب مراقي السعود قد صرح بما يناقضه في قوله قبله:
والأرض لا عن قائم مجتهد
تخلو إلى تزلزل القواعد
وهذا النقيض الأخير هو الصحيح الموافق للحق.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه قال:
" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله "
الحديث. وهو حديث مشهور متفق عليه لا نزاع في صحته.
ولا شك في أن هذه الطائفة التي صرح النبي صلى الله عليه وسلم: بأنها لا تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله أنها طائفة على كتاب الله، وسنة رسوله، وليست ألبتة من المقلدين التقليد الأعمى.
لأن الحق هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة كما قال تعالى في سورة النساء:
يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم
[النساء:170] وقال في الأنعام: