تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم أن مثل كلام الليث هذا عن مالك لا أثر له، لأنه لم يعين المسائل المذكورة ولا أدلتها.

فيجوز أن يكون الصواب فيها مع مالك لأدلة خفيت على الليث، فليس خفاؤها على مالك بأولى من خفائها على الليث.

ولا شك أن مذهب مالك المدون فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي. والظاهر أن بعضها لم يبلغه رحمه الله ولو بلغه لعمل به.

وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلا أقوى منه.

ومن أمثلة ما لم يبلغه النص فيه صيام ست من شوال بعد صوم رمضان.

قال رحمه الله في الموطأ ما نصه: إني لم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف.

وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته.

وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، ولو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك. اه منه بلفظه.

وفيه تصريح مالك رحمه الله بأنه لم يبلغه صيام ستة من شوال عن أحد من السلف، وهو صريح في أنه لم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا شك أنه لو بلغه الترغيب فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان يصومها ويأمر بصومها، فضلا عن أن يقول بكراهتها.

وهو لا يشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرأف وأرحم بالأمة منه.

لأن الله وصفه صلى الله عليه وسلم في القرآن بأنه رؤوف رحيم.

فلو كان صوم السنة يلزمه المحذور الذي كرهها مالك من أجله لما رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم ولراعى المحذور الذي راعاه مالك.

ولكنه صلى الله عليه وسلم، ألغى المحذور المذكور وأهدره، لعلمه بأن شهر رمضان أشهر من أن يلتبس بشيء من شوال.

كما أن النوافل المرغب فيها قبل الصلوات المكتوبة وبعدها لم يكرهها أحد من أهل العلم خشية أن يلحقها الجهلة بالمكتوبات لشهرة المكتوبات الخمس وعدم التباسها بغيرها.

وعلى كل حال، فإنه ليس لإمام من الأئمة أن يقول هذا الأمر الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروه لخشية أن يظنه الجهال من جنس الواجب.

وصيام الستة المذكورة، وترغيب النبي صلى الله عليه وسلم فيه ثابت عنه.

قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه:

حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعا عن إسماعيل، قال ابن أيوب حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر "

انتهى منه بلفظه.

وفيه التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في صوم الستة المذكورة فالقول بكراهتها من غير مستند من أدلة الوحي خشية إلحاق الجهال لها برمضان، لا يليق بجلالة مالك وعلمه وورعه، لكن الحديث لم يبلغه كما هو صريح كلامه نفسه رحمه الله في قوله: لم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، ولو بلغه الحديث لعمل به.

لأنه رحمه الله من أكثر الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحرصهم على العمل بسنته.

والحديث المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وصوم السنة المذكور رواه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم ثوبان وجابر وابن عباس وأبو هريرة والبراء بن عازب كما بينه صاحب نيل الأوطار.

وعلى كل حال فالحديث صحيح ويكفي في ذلك إسناد مسلم المذكور.

ولا عبرة بكلام من تكلم في سعد بن سعيد لتوثيق بعض أهل العلم له واعتماد مسلم عليه في صحيحه.

ومن أمثلة ما لم تبلغ مالكا رحمه الله فيه السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إفراد صوم يوم الجمعة، فقد قال رحمه الله في الموطأ ما نصه:

لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن.

وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه.

وأراه كان يتحراه. انتهى منه بلفظه.

وفيه تصريحه رحمه الله بأنه لم يسمع أحدا من أهل العلم ينهى عن صوم الجمعة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٧١