لأنهم كانوا بمنزله وليس بموجود، ثم أخبرك بعد ذلك رجل واحد بأن أخاك موجود في منزله الآن.
فهل يسوغ لك أن تقول له كذبت، لأني أخبرني عدد كثير قبلك أنه لم يأت؟
ولو قلت له ذلك لقال لك هم في وقت إخبارهم لك صادقون، ولكن أخاك جاء بعد ذلك.
فالمتواتر في وقت نزوله صادق.
وخبر الآحاد الوارد بعده صادق أيضا.
لأنه أفاد تجدد شيء لم يكن.
فحصر المحرمات مثلا في الأربع المذكورة في قوله تعالى:
قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة
[الأنعام: 145] الآية. صادق في ذلك الوقت.
لا يوجد محرم على طاعم بطعمه إلا تلك المحرمات الأربع.
فلا تحرم في ذلك الوقت الحمر الأهلية ولا ذو الناب من السباع ولا الخمر ولا غير ذلك.
فإذا جاء بعد خبر آحاد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: حرم لحوم الحمر الأهلية بخيبر، فهل يسوغ لقائل أن يقول:
هذا الخبر الصحيح مردود لأنه يعارض حصر المحرمات في الأربع المذكورة في آية:
قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما
[الأنعام: 145] الآية؟
ولو قال ذلك لقيل له:
هذا الخبرالصحيح لا تناقضه الآية، لأنه إنما أفاد حكما جديدا طارئا لم يكن مشروعا من قبل.
وأحكام الشريعة تتجدد شيئا فشيئا.
والآية لم تدل على استمرار الحصر المذكور فيها.
فتبين أن زيادة حكم طارئ لا تناقض بينها وبين ما كان قبلها.
وإيضاح هذا أن نسخ المتواتر بالآحاد إنما رفع استمرار حكم المتواتر ودلالة المتواتر على استمرار حكمه ليست قطعية حتى يمنع نسخها بأخبار الآحاد الصحيحة.
وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الأنعام.
وقصدنا مطلق المثال لما يقال: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله خالف فيه السنه برأيه.
وغرضنا أن نبين أنه رحمه الله لم يخالف شيئا من ذلك، إلا لشيء اعتقده مسوغا لذلك.
وأنه لا يترك السنة إلا لشيء يراه مستوجبا لذلك شرعا.
ومما يبين ذلك أنه كان يقدم ضعيف الحديث على الرأي.
قال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين ما نصه:
وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي.
وعلى ذلك بني مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي.
وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس.
ومنع قطع يد السارق لسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف.
وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف.
وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك.
وترك القياس في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة.
فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة قوله، وقول الإمام أحمد:
وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعف في اصطلاح المتأخرين.
بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا اه. محل الغرض منه.
ومن أمثلة ما ذكر أن أبا حنيفة رحمه الله خالف فيها السنة لزوم الطمأنينة في الصلاة وتعين تكبيرة الإحرام في الدخول فيها والسلام للخروج منها.
وقراءة الفاتحة فيها والنية في الوضوء والغسل إلى غير ذلك من مسائل كثيرة.
ولا يتسع المقام هنا لذكر ما استدل به أبو حنيفة لذلك ومناقشة الأدلة.
بل المقصود بيان أن الأئمة لا يخلو أحد منهم من أن يؤخذ عليه شيء خالف فيه سنة وأنهم لم يخالفوها إلا لشيء سوغ لهم ذلك.
وعند المناقشة الدقيقة قد يظهر أن الحق قد يكون معهم وقد يكون الأمر بخلاف ذلك.
وعلى كل حال فهم مأجورون ومعذورون كما تقدم إيضاحه.
وقد أخذ بعض العلماء على مالك رحمه الله أشياء قال:
إنه خالف فيها السنة قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه:
وقد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب يحدث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم مما قال مالك فيها برأيه، قال: ولقد كتبت إليه في ذلك. انتهى محل الغرض منه.