تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأن ما أمر به أولو الأمر لا يخلو من أحد أمرين:

أحدهما: أن يكون طاعة لله ولرسوله من غير نزاع، وطاعة أولي الأمر في مثل هذا من طاعة الله ورسوله.

والثاني: أن يحصل فيه نزاع هل هو من طاعة الله ورسوله أو لا؟

وفي هذه الحالة لا تجوز الطاعة العمياء لأولي الأمر ولا التقليد الأعمى كما صرح الله تعالى بذلك في نفس الآية.

لأنه تعالى لما قال:

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم

[النساء: 59]، أتبع ذلك قوله:

فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا

[النساء: 59].

فالآية صريحة في رد كل نزاع إلى الله ورسوله.

والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

وقد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى:

إني جاعل في الأرض خليفة

[البقرة: 30] بعض الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".

وحديث علي رضي الله عنه

" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار " لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف " ".

وفي الكتاب العزيز:

ولا يعصينك في معروف

[الممتحنة: 12].

ولا يخفى أن طاعة الله وطاعة رسوله المأمور بها في الآية لا يتحقق وجودها إلا بمعرفة أمر الله ورسوله ونهي الله ورسوله.

والمقلدون مقرون على أنفسهم بأنهم لا يعلمون أمر الله ولا نهيه، ولا أمر رسوله ولا نهيه.

وغاية ما يدعون علمه هو أن الإمام الذي قلدوه قال كذا، مع عجزهم عن التمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب، بل أكثرهم لا يميزون بين قول الإمام وبين ما ألحقه أتباعه بعده مما قاسوه على أصول مذهبه.

ولا شك أن طاعة العلماء هي اقتفاء ما كانوا عليه من النظر في كتاب الله وسنة رسوله وتقديمهما على كل قول وعلى كل رأي كائنا ما كان.

فمن قلدهم التقليد الأعمى وترك الكتاب والسنة لأقوالهم، فهو المخالف لهم المتباعد عن طاعتهم كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.

وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى:

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه

[التوبة: 100]، قائلين: إن تقليدهم من جملة اتباعهم بإحسان، فمقلدهم ممن رضي الله عنه بنص الآية فهو ظاهر السقوط أيضا:

لأن الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين ساروا على مثل ما كانوا عليه من العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فلم يكن أحد منهم يقلد رجلا ويترك الكتاب والسنة لقوله.

فالمقلدون التقليد الأعمى ليسوا ممن اتبعهم ألبتة، بل هم أعظم الناس مخالفة لهم، وأبعدهم عن اتباعهم، فأتبع الناس لمالك مثلا ابن وهب ونظراؤه، ممن يعرضون أقواله على الكتاب والسنة، فيأخذون منها ما وافقهما دون غيره.

وأتبع الناس لأبي حنيفة أبو يوسف ومحمد مع كثرة مخالفتهما له، لأجل الدليل من كتاب أو سنة.

وأتبع أصحاب أحمد بن حنبل له البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم لتقديمهم الدليل على قوله وقول غيره، وهكذا.

وأما استدلالهم على تقليدهم: بحديث

" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "

فهو ظاهر السقوط أيضا.

اعلم أولا أن الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.

فجميع طرقه ليس فيها شيء قائم، قال في إعلام الموقعين:

روى هذا الحديث من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر.

ومن طريق حمزة الجري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٥٦