تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإنما ظهر له أنه صواب قال له فيه: نعم ما ذكرت.

وما ظهر له أنه ليس بصواب رده على أبي بكر، وهو قول أبي بكر بدفع ديات الشهداء.

لأن عمر يعتقد أن الشهيد في سبيل الله لا دية له، لأن الله يقول:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم

[التوبة: 111].

وذلك يوضح لك أن الصحابة رضي الله عنهم لا يعدلون عن الكتاب والسنة إلى قول أحد.

وأما احتجاجهم بتقليد ابن مسعود لعمر فهو ظاهر السقوط، ولو وافق عمر في بعض المسائل فهو من قبيل موافقة بعض العلماء لبعض، لاتفاق رأيهم لا لتقليد بعضهم لبعض.

وقد خالف ابن مسعود عمر رضي الله عنهما في مسائل كثيرة جدا، كمخالفته له في أم الولد، لأن ابن مسعود يقول فيها إنها تعتق من نصيب ولدها، ومن ذلك أن ابن مسعود كان يطبق في ركوعه إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه.

وكان ابن مسعود يقول في الحرام هي يمين وعمر يقول: إنه طلقة واحدة.

وكان ابن مسعود يحرم النكاح بين الزانيين وعمر يتوبهما، وينكح أحدهما الآخر.

وكان ابن مسعود يرى بيع الأمة طلاقها، وعمر يرى عدم ذلك وأمثال هذا كثيرة معلومة.

مع أن ابن مسعود يقول: إنه أعلم الصحابة بكتاب الله وأنه لو كان يعلم أحدا أعلم منه به لرحل إليه.

ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

وقد قدمنا عنه قوله:

" كن عالما أو متعلما ولا تكن إمعة "

فليس ابن مسعود من أهل التقليد، مع أن المقلدين المحتجين بتقليد ابن مسعود لعمر، لا يقلدون ابن مسعود، ولا عمر ولا غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يأخذون بقول الله ولا رسوله وإنما يفضلون على ذلك كله تقليد أحد الأئمة أصحاب المذاهب رحمهم الله.

وأما استدلالهم على التقليد بأن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر.

وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي.

وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب فهو ظاهر السقوط أيضا.

لأنه من المعلوم أن الصحابة المذكورين رضي الله عنهم لا يدعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد، وهذا لا شك فيه.

وكان ابن عمر يدع قول عمر، إذا ظهرت له السنة.

وكان ابن عباس يقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

وأما استدلالهم على التقليد بأن معاذا رضي الله عنه صلى مسبوقا فصلى ما أدرك مع الإمام أولا، ثم قضى ما فاته بعد سلام الإمام، وكانوا قبل ذلك يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام في الباقي.

وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك

" إن معاذا قد سن لكم سنة، فكذلك فافعلوا "

فهو ظاهر السقوط أيضا، لأن ذلك لم يكن سنة إلا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى.

فلا حجة قطعا في قول أحد كائنا من كان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم موجود.

وإنما العبرة بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره.

وهذا معلوم بالضرورة من الدين.

وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم

[النساء: 59].

قائلين إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط أيضا.

لأنه لا يجوز طاقة أولي الأمر إجماعا فيما خالف كتابا أو سنة، ولا طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم.

ولا نزاع بين المسلمين في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

والتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر: ما يشمل الأمراء والعلماء.

لأن العلماء مبلغون عن الله وعن رسوله، والأمراء منفذون، ولا تجوز طاعة أحد منهم إلا فيما أذن الله فيه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٥٥