فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43 والأنبياء: 7].
فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجة:
" ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العيي السؤال ".
وقال أبو العسيف: الذي زنى بأمرأة مستأجرة:
" وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه ":
وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر.
فروى شعبة عن عاصم الأحول، عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء: هو ما دون الولد والوالد، فقال عمر بن الخطاب إنني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر.
وصح عنه أنه قال له:
رأينا لرأيك تبع، وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر.
وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون الناس ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى.
وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة.
كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب.
وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
" إن معاذا قد سن لكم سنة فكذلك فافعلوا "
في شأن الصلاة حيث أخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإمام بعد الفراغ، وكانوا يصلون ما فاتهم أولا ثم يدخلون مع الإمام.
قال المقلدة:
وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وهم العلماء أو العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به.
فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم.
وقال تعالى:
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه
[التوبة: 100].
وتقليدهم اتباع لهم ففاعله ممن رضي الله عنهم، ويكفي ذلك الحديث المشهور.
" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم "
وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي "
وقال:
" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد "
وقد كتب عمر إلى شريح: ان اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون.
وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة.
وألزم بالطلاق الثلاث فتبعوه أيضا.
واحتلم مرة، فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبا غير ثوبك فقال لو فعلتها صارت سنة.
وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه.
وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي بين أظهرهم.
وهذا تقليد لهم قطعا.
إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قال تعالى:
فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون
[التوبة: 122] فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم.
وهذا تقليد منهم للعلماء.
وصح عن ابن الزبير، أنه سئل عن الجد والإخوة، فقال:
أما الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا "