ومثل هذا لم يستضىء بنور العلم ولم يلجأ إلى ركن وثيق لجواز الخطأ على متبوعه، وعدم ميزه هو بين الخطأ والصواب.
ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر.
وقال في جامعه أيضا رحمه الله: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال:
" تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون "
وهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده.
ثم ذكر رحمه الله آثارا نحو ما تقدم ثم قال:
وقال: عبيد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد.
وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها.
لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها.
وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة. والله أعلم.
ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل:
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43 والأنبياء: 7].
وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة إذا أشكلت عليه.
فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا.
وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل، والقول في العلم.
ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه "
ثم ذكر بسنده أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه اه.
ولا شك أن المقلد أعمى عما يفتي به لأن علمه به محصور في أن فلانا قاله مع علمه بأن فلانا ليس بمعصوم من الخطأ والزلل.
ثم قال أبو عمر رحمه الله: وقال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه.
قالوا: والمقلد لا علم له. ولم يختلفوا في ذلك إلى أن قال رحمه الله، وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي:
التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه.
وذلك ممنوع منه في الشريعة.
والاتباع ما ثبت عليه حجة.
وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب عليك ذلك فأنت مقلده.
والتقليد في دين الله غير صحيح.
وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه.
والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع.
وقال أبو عمر في آخر كلامه في هذا الباب ما نصه:
ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإكثار.
وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله، في كلامه عن التقليد ما نصه:
وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم.
فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله، وأنا أورده قال:
يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فيما حكمت به؟
فإن قال: نعم، أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد.
وإن قال: حكمت به بغير حجة.
قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟
قال الله عز وجل
إن عندكم من سلطان بهذآ
[يونس: 68] أي من حجة بهذا؟
فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة، لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي.
قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، فتقليد معلم معلمك أولى.