تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قال في ذلك في كتابه: أقسام اللذات.

لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلا، ولا تشفي عليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5]،

إليه يصعد الكلم الطيب

[فاطر: 10]، وفي النفي:

ليس كمثله شىء

[الشورى: 11]،

هل تعلم له سميا

[مريم: 65]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. اه.

وقد بين هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها:

نهاية إقدام العقول عقال

وغاية سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا

وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقال

إلى آخر الأبيات.

وكذلك غالب أكابر الذين كانوا يخوضون في الفلسفة والكلام، فإنه ينتهي بهم أمرهم إلى الحيرة وعدم الثقة بما كانوا يقررون.

وقد ذكر عن الحفيد ابن رشد وهو من أعلم الناس بالفلسفة أنه قال:

ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟

وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وقد قال في ذلك:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها

وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعا كف حائر

على ذقن أو قارعا سن نادم

وأمثال هذا كثيرة.

فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق بالله لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا من التابعين.

فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإجماع السلف؟

إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك فهو بريء منكم ومن دعواكم.

وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في الإباحة والمقالات.

وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ممن ذكرنا.

فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وألا تجادلوا في آيات الله بغير سلطان أتاكم، والله جل وعلا يقول في كتابه:

إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير

[غافر: 56].

ويقول تعالى:

ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير

[لقمان: 20-21].

المسألة الثانية في الكلام على الاجتهاد

اعلم أولا أنا قدمنا بطلان قول الظاهرية بمنع الاجتهاد مطلقا، وأن من الاجتهاد ما هو صحيح موافق للشرع الكريم، وبسطنا أدلة ذلك بإيضاح في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى

وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث

[الأنبياء: 78] الآية.

وبينا طرفا منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:

ولا تقف ما ليس لك به علم

[الإسراء: 36] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

وغرضنا في هذه المسألة هو أن نبين أن تدبر القرآن وانتفاع متدبره بالعمل بما علم منه الذي دل عليه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها التي هي قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ ﴾ ، لا يتوقف على تحصيل الاجتهاد المطلق بشروطه المعروفة عند متأخري الأصوليين.

اعلم أولا: أن المتأخرين من أهل الأصول الذين يقولون بمنع العمل بالكتاب والسنة مطلقا إلا للمجتهدين، يقولون:

إن شروط الاجتهاد هي كون المجتهد بالغا، عاقلا شديد الفهم.

طبعا عارفا بالدليل العقلي، الذي هو استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد نقل صارف عنه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٤١