تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي والمحيا، والمميت والممات. فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة، التامة، بين صفات الخالق والمخلوق.

الوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم، من كونها صفة كمال، وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق.

هل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد، فلا بد أن تقول: لا. فإن قال ذلك.

قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات.

فالذات والصفات من باب واحد.

فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات.

ومعلوم أن الصفات، تختلف وتتباين، باختلاف موصوفاتها.

ألا ترى مثلا أن لفظة رأس كلمة واحدة؟

إن أضفتها إلى الإنسان فقلت رأس الإنسان، وإلى الوادي فقلت رأس الوادي، وإلى المال فقلت رأس المال، وإلى الجبل فقلت رأس الجبل.

فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تباينا، شديدا بحسب اختلاف إضافتها مع أنها في مخلوقات حقيرة فما بالك بما أضيف من الصفات إلى الله وما أضيف منها إلى خلقه، فإنه يتباين كتباين الخلق والمخلوق، كما لا يخفى.

فاتضح بما ذكر أن الشرط في قول المقري في إضاءته:

والنص إن أوهم غير اللائق

شرط مفقود قطعا، لأن نصوص الوحي الواردة في صفات الله، لا تدل ظواهرها ألبتة، إلا على تنزيه الله، ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال.

فكل المسلمين، الذين يراجعون عقولهم، لا يشك أحد منهم في أن الظاهر المتبادر السابق إلى ذهن المسلم، هو مخالفة الله لخلقه، كما نص عليه بقوله

ليس كمثله شيء

[الشورى: 11] وقوله

ولم يكن له كفوا أحد

[الإخلاص: 4] ونحو ذلك من الآيات، وبذلك تعلم أن الإجماع الذي بناه على ذلك في قوله:

فاصرفه عن ظاهره إجماعا

إجماعا مفقود أصلا، ولا وجود له ألبتة، لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له ألبتة.

فالإجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين.

وإنما لم يقولوا بذلك لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصفرها عنه كما ترى.

ولأجل هذا كله قلنا فى مقدمة هذا الكتاب المبارك، إن الله تبارك وتعالى موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازا، لأنا نعتقد اعتقادا جازما لا يتطرق إليه شك، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، لا تدل ألبتة إلى على التنزيه عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال.

وإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازا لا ينكره مسلم.

ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة، ونفي المجاز، كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها، وأنها كلها مجازات.

وجعلوا ذلك طريقا إلى نفيها، لأن المجاز يجوز نفيه، والحقيقة لا يجوز نفيها.

فقالوا مثلا: اليد مجاز يردا به القدرة والنعمة أو الجود، فنفوا صفة اليد، لأنها مجاز.

وقالوا على العرش استوى: مجاز فنفوا الاستواء، لأنه مجاز.

وقالوا: معنى استوى: استولى، وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق.

ولو تدبروا كتاب الله، لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة، أو النعمة، لأن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه في سورة البقرة

فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون

[البقرة: 59]. ويقول في الأعراف

فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا يظلمون

[الأعراف: 162] فالقول الذي قاله الله لهم، هو قوله حطة، وهي فعلة من الحط بمعنى الوضع خبر مبتدأ محذوف أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا أي حط ووضع لها عنا فهي بمعنى طلب المغفرة، وفي بعض روايات الحديث في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونا فقط فقالوا حنطة وهي القمح.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣٢