تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسبب الموجب للإيمان إيجابا حتما كليا هو كونه من عند الله، وهذا السبب هو الذي علم الراسخون في العلم أنه الموجب للإيمان بكل ما جاء عن الله سواء استأثر الله بعلمه كالمتشابه، أو كان مما يعلمه الراسخون في العلم كما قال الله عنهم:

والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا

[آل عمران: 7].

فلا شك أن قوله تعالى:

لما خلقت بيدي

[ص: 75] من عند ربنا. وقوله تعالى:

والله على كل شيء قدير

[البقرة: 284] من عند ربنا أيضا، فيجب علينا الإيمان بالجميع، لأنه كله من عند ربنا.

أما الذي يفرق بينه، وهو عالم بأن كله من عند ربه، بأن هذا يشتق منه، وهذا لا يشتق منه فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض.

والمقصود أن كلما جاء من عند الله، يجب الإيمان به سواء كان من المتشابه، أو من غير المشتابه، وسواء كان يشتق منه أو لا.

ومعلوم أن مالكا رحمه الله سئل كيف استوى، فقل الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب.

وما يزعمه بعضهم من أن القدرة والإرادة مثلا ونحوهما ليست كاليد، والوجه، بدعوى أن القدرة والإرادة مثلا ظهرت آثارهما في العالم العلوي والسفلي بخلاف غيرهما كصفة اليد ونحوها فهو من أعظم الباطل.

ومما يوضح ذلك أن الذي يقوله هو وأبوه وجده من آثار صفة اليد اليت خلق الله بها نبيه آدم.

ونحن نرجو أن يغفر الله للذين ماتوا على هذا الاعتقاد، لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه.

فقصدهم حسن ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة.

وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم فهم كما قال الشافعي رحمه الله:

رام نفعا فضر من غير قصد

ومن البر ما يكون عقوقا

ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى:

وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما

[الأحزاب: 5].

وخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه.

ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم، عالم كل العلم، بأن الظاهر المتبادر، مما مدح الله به نفسه، في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه لا يليق، لأنه تشبيه بصفات الخلق، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه.

فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له كما ترى.

فإن قيل: إن هذا القرآن العظيم، نزل بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف في لغتها، كيفية لليد مثلا، إلا كيفية المعاني المعروفة عندها كالجارحة، وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة، فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم.

فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق.

والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر، غلا هذه المشاهدة، في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بأذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية ألبتة.

فلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك، هو المشاهد في المخلوقات.

وأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية، ولا حدا لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣١