[الأعراف: 191]. وقال تعالى في الحج
يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له
[الحج: 73] أي ومن لم يقدر أن يخلق شيئا لا يصح أن يكون معبودا بحال وقال تعالى:
سبح اسم ربك الأعلىالذي خلق فسوى
[الأعلى: 1-2] الآية.
ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد، ومن لا يستحق ذلك.
قال في صفات من يستحق العبادة:
الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا
[الفرقان: 2].
وقال في صفات من لا يصح أن يعبد
واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون
[الفرقان: 3]. الآية.
والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا وكل تلك الآيات تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقا متلبسا بالحق.
وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وبينهما، خلقا متلبسا به، تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علما، وذلك في قوله تعالى:
الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما
[الطلاق: 12].
فلام التعليل في قوله: لتعلموا متعلقة بقوله ﴿ خلق سبع سماوات ﴾ الآية وبه تعلم أنه ما خلق السماوات السبع، والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن، إلا خلقا متلبسا بالحق.
ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقا متلبسا به، هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملا، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود:
وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن عملا
[هود: 7].
فلام التعليل في قوله: ليبلوكم متعلقة بقوله ﴿ خلق سبع سماوات ﴾ وبه تعلم أنه ما خلقهما إلا خلقا متلبسا بالحق.
ونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7]. وقوله تعالى في أول الملك:
الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا
[الملك: 2].
ومما يوضح أنه ما خلق السماوات والأرض إلا خلقا متلبسا بالحق، قوله تعالى في آخر الذاريات
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون
[الذاريات: 56-57].
سواء قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم، لأن عبادتهم يحصل بهم تعظيم الله وطاعته، والخضوع له كما قال تعالى:
فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين
[الأنعام: 89]. وقال تعالى:
فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون
[فصلت: 38].
أو قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي إلا ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي، لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعا، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرها.
ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال.
وقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض خلقا متلبسا به، جزاء الناس بأعمالهم، كقوله تعالى في النجم
ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى
[النجم: 31].
فقوله تعالى: ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ أي هو خالقها ومن فيهما ﴿ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ﴾ الآية.
ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس
إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون
[يونس: 4].
ولما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء، هددهم بالويل من النار، بسبب ذلك الظن السيئ، في قوله تعالى:
وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار