46.31
منطوق هذه الآية أن من أجاب داعي الله محمدا صلى الله عليه وسلم وآمن به، وبما جاء به، من الحق غفر الله له ذنوبه. وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها، والمعروف بدليل الخطاب، أن من لم يجب داعي الله من الجن، ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره، من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرحا به مبينا في آيات أخر، كقوله تعالى:
وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين
[هود: 119] وقوله تعالى:
ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين
[السجدة: 13] وقوله تعالى:
قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار
[الأعراف: 38]: وقوله تعالى
فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون
[الشعراء: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات.
أما دخول المؤمنين، المجيبين داعي الله من الجن، الجنة فلم تتعرض له الآية الكريمة بإثبات ولا نفي، وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة، وهي قوله تعالى في سورة الرحمن:
ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 46-47 } وبه تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قائلين إنه يفهم من هذه الآية، من أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم وإجابتهم داعي الله، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط، كما هو نص الآية، كله خلاف التحقيق.
وقد أوضحنا ذلك في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب " في الكلام على هذه الآية، من سورة الأحقاف فقلنا فيه ما نصه:
هذه الآية، يفهم من ظاهرها، أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه، وإجارته من عذاب أليم، لا دخوله الجنة.
وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، بظاهر هذه الآية، فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى، ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى:
ولمن خاف مقام ربه جنتان
[الرحمن: 46]، لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس، بقوله
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 47].
ويستأنس لهذا بقوله تعالى:
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن
[الرحمن: 56] فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس.
والجواب عن هذا، أن آية الأحقاف، نص فيها على الغفران، والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة، بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة، لأنه تعالى قال فيها:
ولمن خاف مقام ربه جنتان
[الرحمن: 46].
وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله: ﴿ ولمن خاف ﴾ ، يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معا بقوله:
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 13-16-18-21-23].
فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي نعمه على الإنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين، لأن إحداهما بينت ما لم تعرض له الأخرى.
ولو سلمنا أن قوله: ﴿ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ﴾ ، يفهم منه عدم دخولهم الجنة، فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم، وقوله:
ولمن خاف مقام ربه جنتان
[الرحمن:46]
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 13] يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق.
والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول.
ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعي وجدناه معدوما من أصله للإجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث.
ولا يدخل هذا المفهوم المدعي في شيء من أقسام المفهومين.
أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح.
وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة، فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح.
فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب، وليس داخلا في واحد منهما.