وقوله تعالى:
ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون
[سبأ: 40-41].
فقوله تعالى: ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم، من الكفر والمعاصي على أصح التفسيرين.
والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة، كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى:
وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم
[إبراهيم: 22] إلى قوله
إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل
[إبراهيم: 22] فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة.
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي بينا في الحديث لما سأله عدي بن حاتم رضي الله عنه عن قوله:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا
[التوبة: 31] كيف اتخذوهم أربابا؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم
" أنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبذلك الاتباع اتخذوهم أربابا ".
ومن أصرح الأدلة في هذا أن الكفار إذا أحلوا شيئا، يعلمون أن الله حرمه وحرموا شيئا يعلمون أن الله أحله، فإنهم يزدادون كفرا جديدا بذلك، مع كفرهم الأول، وذلك في قوله تعالى:
إنما النسيء زيادة في الكفر
[التوبة: 37] إلى قوله:
والله لا يهدي القوم الكافرين
[البقرة: 264].
وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله، في تشريع مخالف لما شرعه الله، فقد أشرك به مع الله كما يدل لذلك قوله:
وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم
[الأنعام: 137] فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد.
وقوله تعالى:
أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله
[الشورى: 21] فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء، ومما يزيد ذلك إيضاحا، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة، من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا، إني كفرت بما أشركتمون من قبل، أن ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه:
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي
[إبراهيم: 22] الآية، وهو واضح كما ترى.