تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.41-42

قوله تعالى: ﴿ وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم ﴾.

الظاهر أن جملة قوله تدعونني لأكفر بالله، بدل من قوله: وتدعونني إلى النار، لأن الدعوة إلى الكفر بالله والإشراك به دعوة إلى النار.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفر والإشراك بالله مستوجب لدخول النار، بينه تعالى في آيات كثيرة من كتابه كقوله:

إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار

[المائدة: 72]، وقد قدمنا ما فيه كفاية من ذلك، في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى:

ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء

[الحج: 31] الآية.

40.44-45

التحقيق الذي لا شك فيه، أن هذا الكلام، من كلام مؤمن آل فرعون الذي ذكر الله عنه، وليس لموسى فيه دخل.

وقوله ﴿ فستذكرون مآ أقول لكم ﴾ [غافر: 44]، يعني أنهم يوم القيامة، يعلمون صحة ما كان يقول لهم، ويذكرون نصيحته، فيندمون حيث لا ينفع الندم، والآيات الدالة على مثل هذا من أن الكفار تنكشف لهم يوم القيامة حقائق ما كانوا يكذبون به في الدنيا كثيرة، كقوله تعالى:

وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون

[الأنعام: 6667] وقوله تعالى:

ولتعلمن نبأه بعد حين

[ص: 88]. وقوله تعالى:

كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون

[النبأ: 45] وقوله تعالى:

كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون

[التكاثر: 34] وقوله تعالى:

فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد

[ق: 22] إلى غير ذلك من الآيات.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ دليل واضح على أن التوكل الصادق على أن التوكل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه، سبب للحفظ والوقاية من كل سوء، وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، كقولهم سها فسجد، أي سجد لعلة سهوه، وسرق فقطعت يده، أي لعلة سرقته، كما قدمناه مرارا.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون التوكل على الله سببا للحفظ، والوقاية من السوء، جاء مبنيا في آيات أخر، كقوله تعالى

ومن يتوكل على الله فهو حسبه

[الطلاق: 3]. وقوله تعالى:

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء

[آل عمران: 173174].

وقد ذكرنا الآيات الدالة على ذلك بكثرة، في أول سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:

ألا تتخذوا من دوني وكيلا

[الإسراء: 2].

والظاهر أن ما في قوله ﴿ سيئات ما مكروا ﴾ مصدرية، أي فوقاه الله سيئات مكرهم، أي أضرار مكرهم وشدائده، والمكر: الكيد.

فقد دلت هذه الآية الكريمة، على أن فرعون وقومه أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن الكريم وأن الله وقاه، أي حفظه ونجاه، من أضرار مكرهم وشدائده بسبب توكله على الله، وتفويضه أمره إليه.

وبعض العلماء يقول: نجاه الله منهم مع موسى وقومه وبعضهم يقول: صعد جبلا فأعجزهم الله عنه ونجاه منهم، وكل هذا لا دليل عليه، وغاية ما دل عليه القرآن أن الله وقاه سيئات مكرهم، أي حفظه ونجاه منها.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وحاق بآل فرعون سوء العذاب ﴾ معناه أنهم لما أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن، وقاه الله مكرهم، ورد العاقبة السيئة عليهم، فرد سوء مكرهم إليهم، فكان المؤمن المذكور ناجيا، في الدنيا والآخرة وكان فرعون وقومه هالكين، في الدنيا والآخرة والبرزخ.

فقال في هلاكهم في الدنيا:

وأغرقنآ آل فرعون

[الأنفال: 54] الآية، وأمثالها من الآيات.

وقال في مصيرهم في البرزخ

النار يعرضون عليها غدوا وعشيا

[غافر: 46].

وقال في عذابهم في الآخرة:

ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب

[غافر: 46].

وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من حيق المكر السيئ، بالماكر أوضحه تعالى في قوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨٦٦