تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أوضحنا في رسالتنا المسمات: منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإعجاز، أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه، يجب الرجوع إليه.

وإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله، في غير هذا الموضع كقوله تعالى في أول سورة الجاثية

ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها

[الجاثية: 5] فأوضح بقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أن مراده بالرزق المطر، لأن المطر هو الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها.

وقد أوضح جل وعلا، أنه إنما سمي المطر رزقا، لأن سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة

وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم

[البقرة: 22] الآية، والباء في قوله فأخرج به سببية كما ترى.

وكقوله تعالى في سورة إبراهيم:

الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك

[إبراهيم: 32] الآية. وقوله تعالى في سورة ق:

ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد

[ق: 911].

وبين في آيات أخر أن الرزق المذكور، شامل لما يأكله الناس، وما تأكله الأنعام، لأن ما تأكله الأنعام، يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها، وجلودها وألبانها، وأصوافها وأوبارها، وأشعارها، كما تقدم كقوله تعالى:

أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون

[السجدة: 27] وقوله تعالى:

هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات

[النحل: 1011] الآية.

فقوله: فيه تسيمون، أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير أن تتكلفوا لها مؤونة العلف كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية، في سورة النحل وكقوله تعالى

وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم

[طه: 5354] الآية. وقوله تعالى:

أخرج منها مآءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم

[النازعات: 3133] إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى: ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾.

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الناس ما يتذكر منهم، أي ما يتعظ بهذه الآيات المشار إليها في قوله: ﴿ هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي من رزقه الله الإنابة إليه.

والإنابة: الرجوع عن الكفر والمعاصي، إلى الإيمان والطاعة.

وهؤلاء المنيبون، المتذكرون، المتعظون، هم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران:

وما يذكر إلا أولوا الألباب

[آل عمران: 7] وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم

وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب

[إبراهيم: 52] إلى غير ذلك من الآيات.

وقد دلت آية المؤمن هذه، وما في معناها من الآيات، على أن غير أولي الألباب المتذكرين المذكورين آنفا، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات، بل يعرض عنها أشد الإعراض.

وقد جاء هذا المعنى موضحا، في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى:

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

[يوسف: 105]. وقوله تعالى:

وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر

[القمر: 2] وقوله

وإذا رأوا آية يستسخرون

[الصافات: 14]. وقوله تعالى:

قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون

[يونس: 101] وقوله

وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين

[الأنعام: 4] في الأنعام ويس إلى غير ذلك من الآيات.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨٥٩