وقول الزمخشري: إن " من " في قوله ﴿ يغضوا من أبصارهم ﴾ [النور: 30] للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرا عمدا إلى ما لا يحل، وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من أن من زائدة لا يعول عليه. وقال القرطبي وقيل: الغض: النقصان: يقال: غض فلان من فلان: أي وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ومنقوص، فمن صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اه منه.
والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدى إليه أيضا بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، ومن أمثلة تعدي الغض للمعقول بنفسه قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وقول عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
وقول الآخر:
وما كان غض الطرف منا سجية
ولكننا في مذحج غربان
لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.
ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: ﴿ يغضوا من أبصارهم ﴾ [النور: 30] ﴿ يغضضن من أبصارهن ﴾ [النور: 31] وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى:
يعلم خآئنة الأعين
[غافر: 19].
وقد قال البخاري رحمه الله: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤسهن، قال اصرف بصرك عنهن، يقول الله عز وجل ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ﴾ [النور: 30] قال قتادة: عما لا يحل لهم: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ﴾ [النور:30] خائنة الأعين النظر إلى ما نهي عنه. اه محل الغرض منه بلفظه.
وبه تعلم أن قوله تعالى:
يعلم خآئنة الأعين
[غافر: 19] فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر، إلى ما لا يحل، جاء موضحا في أحاديث كثيرة.
منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إياكم والجلوس بالطرقات، "
قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال:
" إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، "
قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:
" غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر "
انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه.
ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال:
" أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلا وضيئا فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها "
الحديث.
ومحل الشاهد منه: أنه صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز، واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئا اشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه "
اه هذا لفظ البخاري، والحديث منتفق عليه، وفي بعض روايات زيادة على ما ذكرنا هنا.