تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم، والصفح، قال بعض أهل العلم مشتق من صفحة العنق أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها. وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى:

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين

[آل عمران: 133 134] وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن الناس، من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثا على ذلك. ودلت أيضا: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به وكقوله تعالى:

إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا

[النساء: 149] وقد بين تعالى في هذه الاية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثا عليه. وكقوله تعالى:

فاصفح الصفح الجميل

[الحجر: 85] وكقوله:

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43] إلى غير ذلك من الآيات.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى والله نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإنفاق على مسطح، ومفعول أن يغفر الله محذوف للعلم به: أي يغفر لكم ذنوبكم.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ أولي القربى ﴾ أي أصحاب القرابة، ولفظه أولى اسم جمع لا واحد له من لفظه يعرب إعراب الجمع المذكر السالم.

في هذه الآية الكريمة، دليل على أن كبائر الذنوب لا تحبط العلم الصالح، لأن هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر ولم يبطل هجرته لأن الله قال فيه بعد قذفه لها ﴿ والمهاجرين في سبيل الله ﴾ فدل ذلك على أن هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه لعائشة رضي الله عنها.

قال القرطبي في هذه الآية: دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا يحبط الأعمال، لأن الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والإيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال تعالى:

لئن أشركت ليحبطن عملك

[الزمر: 65] اه.

وما ذكر من أن الآية وصف مسطح بالإيمان لم يظهر من الآية، وإن كان معلوما.

وقال القرطبي أيضا: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. ثم قال بعد هذا: قال بعض العلماء، هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله تعالى:

وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا

[الأحزاب: 47] وقد قال تعالى في آية أخرى

والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير

[الشورى: 22] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك.

ومن آيات الرجاء قوله تعالى

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا

[الزمر: 53] الآية. وقوله تعالى:

الله لطيف بعباده

[الشورى: 19] وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل

ولسوف يعطيك ربك فترضى

[الضحى: 5] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. انتهى كلام القرطبي.

وقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل، آية الدين: وهي أطول آية في القرآن العظيم، وقد أوضح الله تبارك وتعالى فيها الطرق الكفيلة بصيانة الدين من الضياع، ولو كان الدين حقيرا كما يدل عليه قوله تعالى فيها:

ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله

الآية [البقرة: 282] قالوا هذا من المحافظة في آية الدين على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه، ولو قليلا يدل على العناية التامة بمصالح المسلم، وذلك يدل على ان اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، وشدة حاجته إلى ربه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٥٤