تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين يرمون المحصنات

[النور: 4] فوجب عليه الحد، وبطل ما قاله البتي لظهوره فساده انتهى كلام القرطبي.

وقد قدمنا أن القول بلعان الرجعية قبل انقضاء العدة له وجه من النظر؛ لأنها في حكم الزوجة، وذكرنا ما يظهر لنا أنه أظهر الأقوال في ذلك، وأقوال العلماء، وفائدة لعانه أن يدفع عنه حد القذف، وكون الرجعية كالزوجة قبل انقضاء العدة فيتوارثان، ولا يجوز له تزوج أختها، قبل انقضاء العدة، ولا تزويج رابعة غيرها، لأنها تكون كالخامسة نظرا إلى أن الرجعية كالزوجة، يقتضي أن القول بلعان الرجعية قبل انقضاء العدة له وجه من النظر، وقد رأيت كثرة من قال به من أهل العلم، ووجه القول بعدمه أنه لما طلقها عالما بزناها في زعمه، دل ذلك على أنه تارك للعان، وينبني على الخلاف المذكور، ما لو ادعى أنها زنت بعد الطلاق الرجعي، وقبل انقضاء العدة، هل يحكم عليه بأنه قاذف، لأنه رماها بزنى واقع بعد الفراق أو له يلاعنها لنفي الحد عنه بناء على أن الرجعية في حكم الزوجة.

أما إن قذفها قبل أن يطلقها ثم طلقها بعد القذف، فالأظهر أن له لعانها مطلقا، ولو كان الطلاق بائنا، لأن القذف وقع وهي زوجة غير مطلقة، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والقاسم بن محمد، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال الحارث العكلي، وجابر بن زيد، وقتادة والحكم: يجلد.

وقال حماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي: لا حد ولا لعان، لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين وليس هذان بزوجين ولا يحد، لأنه لم يقذف أجنبية.

المسألة العاشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن ظهر بامرأته حمل، وهو قائل إنه ليس منه إذا سكت عن نفي ذلك الحمل حتى وضعته ثم قال إنه إنما سكت عن نفيه مدة الحمل رجاء أن يكون ريحا أو انتفاخا فينفش أو يسقط ميتا، فيستريح بذلك من اللعان أنه يمكن من نفيه بلعان بعد الوضع، لأن العذر الذي أبدى وجيه جدير بالقبول، فإن بادر بنفيه فورا عند وضعه، فلا ينبغي أن يختلف في أن له ينفيه بلعان، وإن سكت عن نفيه بعد الوضع، ثم أراد أن ينفيه بعد السكوت، فهل له ذلك أو ليس له، لأن سكوته بعد الوضع يعد رضى منه بالولد، فلا يمكن من اللعان بعده. لم أعلم في هذه المسألة نصا من كتاب، ولا سنة. والعلماء مختلفون فيها. قال القرطبي: قد اختلف في ذلك ونحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته، حتى مضت ثلاثة أيام فهو راض به وليس له نفيه، وبهذا قال الشافعي، وقال أيضا متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم، فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك، وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة. وقال أبو يوسف، ومحمد: يعتبر فيه أربعون يوما مدة النفاس قال ابن القصار: والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرم عليه واستلحاق ولد ليس منه، محرم عليه فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه، ويفكر هل يجوز له نفيه أو لا، وإنما جعلنا الحد ثلاثة، لأنه أول حد لكثرة، وآخر حد القلة، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر فيها حال المصراة، وكذلك ينبغي أن يكون هنا.

وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهما بأولى من اعتبار مدة الولادة والرضاع، إذ لا شاهد لهما في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهدا في الشريعة من مدة المصراة انتهى كلام القرطبي، ولا يخفى ضعف ما استدل به ابن القصار من علماء المالكية للتحديد بثلاثة.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسألة مبنية على الاختلاف في قاعدة أصولية، وهي هل ينزل السكوت منزلة الإقرار أولى. وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله:

وجعل من سكت مثل من أقر

فيه خلاف بينهم قد اشتهر

فالاحتجاج بالسكوتى نمى

تفريعه عليه من تقدما

وهو بفقد السخط والضد حرى

مع مضي مهلة للنظر

فمن قال: إن السكوت لا يعد رضى. قال: لأن الساكت قد يسكت عن الإنكار مع أنه غير راضي، ومن قال: إنه يعد رضى، قال لأن سكوته قرينة دالة على رضاه واستأنسوا بقوله صلى الله عليه وسلم في البكر إذنها صماتها، وبعضهم يقول تخصيص البكر بذلك، يدل على أن غيرها ليس كذلك، والخلاف في هذه المسألة معروف في فروع الأئمة وأصولهم، ومن تتبع فروعهم وجدهم في بعض الصور يجعلون السكوت كالرضى كالسكوت عن اللعان زمنا بعد العلم بموجبه، وكالسكوت عن القيام بالشفعة ونحو ذلك، ويكثر في فروع مذهب مالك جعل السكوت كالرضى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٤٥