تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالث: أنه يستوفى منه كل شيء من الحدود إلا القتل، فإنه لا يقتل في الحرم في حد كالرجم، ولا في قصاص والخلاف في هذه المسألة مشهور عند أهل العلم.

قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من جنى جناية توجب قتلا خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه، وهذا قول ابن عباس: وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، وإسحاق ومجاهد، والشعبي، وأبي حنيفة وأصحابه.

وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس، فعن أحمد روايتان:

إحداهما: لا يستوفى من الملتجيء إلى الحرام فيه.

والثانية: يستوفى وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن القتل لقوله عليه الصلاة والسلام:

" فلا يسفك فيها دم "

وحرمة النفس أعظم فلا يقاس غيرها عليها ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب فلم يمنع كتأديب السيد عبده والأولى ظاهر كلام الخرقي، وهي ظاهر المذهب.

قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد جنايته، حتى يخرج منه إلى أن قال: وقال مالك والشافعي وابن المنذر: يستوفى منه فيه لعموم الأمر بجلد الزاني، وقطع السارق، واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان.اه محل الغرض منه.

وقال ابن حجر في فتح الباري. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، حتى يخرج إلى الحل باختياره ولكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ، ويذكر حتى يخرج. وقال أبو يوسف: يخرج مضطرا إلى الحل وفعله ابن الزبير.

وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عباس: من أصاب حدا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع.

وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحد مطلقا فيها، لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن.اه محل الغرض منه.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار مشيرا إلى إقامة الحدود واستيفاء القصاص في الحرم، وقد ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وهو اختيار ابن المنذر، ويؤيد ذلك عموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود في كل مكان وزمان. وذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، والحنيفة، وسائر أهل العراق، وأحمد ومن وافقه من أهل الحديث والعترة: إلى أنه لا يحل أن يسفك بالحرم دما، ولا يقيم به حدا حتى يخرج منه من لجأ إليه. اه محل الغرض منه.

وإذا عرفت من هذه النقول أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم ومناقشتها: أما الذين قالوا: يستوفى منه كل حد في الحرم إن لجأ إليه كمالك، والشافعي، وابن المنذر، ومن وافقهم، فقد استدلوا بأدلة:

منها: أن نصوص الكتاب والسنة الدالة على إقامة الحدود واستيفاء القصاص، ليس في شيء منها تخصيص مكان دون مكان ولا زمان دون زمان، وظاهرها شمول الحرم وغيره. قالوا: والعمل بظواهر النصوص واجب، ولا سيما إذا كثرت.

ومنها: أن استيفاء القصاص وإقامة الحدود حق واجب بتشريع الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وفعل الواجب الذي هو عين طاعة الله في الحرم ليس فيه أي انتهاك لحرمة الحرم، لأن أحق البلاد، بأن يطاع فيها الله بامتثال أوامره هي حرمة، وطاعة الله في حرمة ليس فيها انتهاك له كما ترى.

أما استدلال هؤلاء بما في الصحيحين بلفظ إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة، فهو استدلال في غاية السقوط، لأن من ظن أنه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد غلط غلطا فاحشا، لأنه من كلام عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق كما هو صريح في الصحيحين وغيرهما، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي " أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: أئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله، وأثنى عليه ثم قال:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٣٨