تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن رجلا زنى فلم يعلم إحصانه، فجلد ثم علم بإحصانه فرجم "

حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار؛ أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلا زنى بامرأة فلم يعلم بإحصانه فجلد، ثم علم بإحصانه فرجم.

اه من سنن أبي داود.

وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا ما نصه: حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري، وقدمنا في أول الكتاب أن ما سكتا عنه، فهو صالح للاحتجاج به، وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضا النسائي اه منه.

الفرع الثاني: قد قدمنا في الروايات الصحيحة: أن الحامل من الزنا لا ترجم، حتى تضع حملها وتفطمه، أو يوجد من يقوم برضاعه، لأن رجمها وهي حامل فيه إهلاك جنينها الذي في بطنها وهو لا ذنب له، فلا يجوز قتله، وهو واضح مما تقدم.

الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وجب عليه الرجم، هل يحفر له أو لا يحفر له؟ فقال بعضهم: لا يحفر له مطلقا، وقال بعضهم: يحفر لمن زنى مطلقا، وقيل: يحفر للمرأة إن كان الزنا ثابتا بالبينة دون الإقرار، واحتج من قال: بأن المرجوم لا يحفر له بما ثبت في صحيح مسلم، وغيره، عن أبي سعيد الخدري في قصة رجم ماعز، ولفظ مسلم في صحيحه في المراد من الحديث قال:

" فما أوثقناه، ولا حفرنا له "

الحديث، وفيه التصريح من أبي سعيد في هذا الحديث الصحيح: أنهم لم يحفروا له. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قول أبي سعيد: " فما أوثقناه، ولا حفرنا له " ما نصه: وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم، " فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم ". وذكر بعده في حديث الغامدية، " ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها ". أما قوله: فما أوثقناه فهكذا الحكم عند الفقهاء. وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء.

قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد رضي الله عنهم في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما.

وقال قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما.

وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة لا من يرجم بالإقرار.

وأما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار.

وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا.

أحدها: يستحب الخفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها.

والثاني: لا يستحب ولا يكره، بل هو إلى خيرة الإمام.

والثالث: وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت. فمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية، وكذا لماعز في رواية، ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له، أن المراد حفيرة عظيمة أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة.

وأما من قال: لا يحفر فاحتج برواية من روى " فما أوثقناه، ولا حفرنا له، وهذا المذهب ضعيف، لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز ".

وأما من قال: بالتخيير فظاهر وأما من فرق بين الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز، على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف، ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا، وقوله جعل يجنأ عليها، ولو حفر لهما لم يجنأ عليها. واحتجوا أيضا بقوله في حديث ماعز: فلما أذلقته الحجارة هرب، وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة والله أعلم. انتهى كلام النووي. وقد ذكر فيه أقوال أهل العلم في المسألة، وبين حججهم، وناقشها، وقد ذكر في كلامه، أن المشهور عن أبي حنيفة عدم الحفر للرجل والمرأة. والظاهر أن المشهور عند الحنفية الحفر للمرأة دون الرجل، وأنه لو ترك الحفر لهما معا فلا بأس. قال صاحب كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ويحفر لها في الرجم لا له، وقال شارحه في تبيين الحقائق: ولا بأس بترك الحفر لهما، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك اه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٠٥