تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال ابن حجر قلت: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك بقية اليهود، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم، ولم يحكم فيها إلا مستندا لما أطلعه الله تعالى عليه، فحكم بالوحي، وألزمهم الحجة بينهم كما قال تعالى:

وشهد شاهد من أهلهآ

[يوسف: 26] وأن شهودهم شهدوا عليهما عند إخبارهم بما ذكر، فلما رفعوا الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعلم القصة على وجهها فذكر كل من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك، ولم يكن مستند حكم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما أطلعه الله عليه.

انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر في فتح الباري.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل، هو مذهب الجمهور من عدم قبول شهادة الكفار مطلقا لأن الله يقول في المسلمين الفاسقين

ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون

[النور: 4]. وإذا نص الله جل وعلا في محكم كتابه على عدم قبول شهادة الفاسق، فالكافر أولى بذلك كما لا يخفى، وقد قال جل وعلا في شهود الزنا، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه

واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم

[النساء: 15] فخص الأربعة بكونهم منا، ويمكن أن يجيب المانع بأن أول الآية فيه من نسائكم، فلا نتناول نساء أهل الذمة ونحوهم من الكفار، وأنه لا تقبل شهادة كافر في شيء إلا بدليل خاص كالوصية في السفر، إذا لم يوجد مسلم، لأن الله نص على ذلك بقوله

أو آخران من غيركم

[المائدة: 106] الآية.

والتحقيق أن حكمها غير منسوخ، لأن القرآن لا يثبت نسخ حكمه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، والآيات التي زعم من ادعى النسخ: أنها ناسخة لها كقوله

ذوي عدل منكم

[الطلاق: 2] وقوله

ممن ترضون من الشهدآء

[البقرة: 282] وقوله

ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا

[النور: 4] أعم منها.

والجمهور على أن الأعم لا ينسخ الأخص خلافا لأبي حنيفة.

أما حديث جابر المشار إليه الذي يفهم منه قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض في حد الزنى. فقد قال فيه أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، ثنا أبو أسامة قال مجالد: أخبرنا عن عامر عن جابر بن عبدالله، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم الحديث. وفيه: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاءوا بأربعة فشهدوا بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. انتهى محل الغرض منه.

وظاهره المتبادر منه: أن الشهود الذين شهدوا من اليهود كما لا يخفى فظاهر الحديث، دال دلالة واضحة على قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض، في حد الزنى، إن كان صحيحا، والسند المذكور الذي أخرجه به أبو داود لا يصح لأن فيه مجالدا وهو مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام بن ذي مران بن شرحبيل الهمداني أبو عمرو، ويقال أبو سعيد الكوفي، وأكثر أهل العلم على ضعفه، وعدم الإحتجاج به، والإمام مسلم بن الحجاج، إنما أخرج حديثه مقرونا بغيره، فلا عبرة بقول يعقوب بن سفيان، إنه صدوق ولا بتوثيق النسائي له مرة، لأنه ضعفه مرة أخرى، ولا بقول ابن عدي إن له عن الشعبي، عن جابر أحاديث صالحة، لأن أكثر أهل العلم بالرجال على تضعيفه، وعدم الاحتجاج به أما غير مجالد من رجال سند أبي داود فهم ثقات معروفون، لأن يحيى بن موسى البلخي ثقة، وأبو أسامة المذكور فيه هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، وهو ثقة ثبت، ربما دلس وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، وعامر الذي روى عنه مجالد هو الإمام الشعبي وجلالته معروفة.

والحاصل: أن مثل هذا السند الذي فيه مجالد المذكور، لا يجب الرجوع إليه عن عموم النصوص الصحيحة المقتضية، أن الكفار لا تقبل شهادتهم مطلقا، والله تعالى أعلم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٩١