تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعموم الزاني في آية النور هذه، مخصص عند الجمهور أيضا مرة أخرى، بكون جلد المائة خاصا بالزاني الحر، أما الزاني الذكر العبد فإنه يجلد نصف المائة وهو الخمسون.

ووجه هذا التخصيص: إلحاق العبد بالأمة في تشطير حد الزنى بالرق، لأن مناط التشطير الرق بلا شك، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى الحدود وصفان طرديان، لا يترتب عليهما حكم، فدل قوله تعالى في آية النساء في الإماء

فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب

[النساء: 25] أن الرق مناط تشطير حد الزنى، إذ لا فرق بين الذكر والأنثى في الحدود، فالمخصص لعموم الزاني في الحقيقة: هو ما أفادته آية

فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب

[النساء: 25]. وإن سماه الأصوليون تخصيصا بالقياس، فهو في الحقيقة تخصيص آية بما فهم من آية أخرى.

مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة

المسألة الأولى: اعلم أن رجم الزانيين المحصنين، دلت عليه آيتان من كتاب الله، إحداهما نسخت تلاوتها، وبقى حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم، أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إلى آخرها كما سيأتي. وكون الرجم ثابتا بالقرآن ثابت في الصحيح.

قال البخاري رحمه الله في صحيحه: في باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت:

حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم: عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلى عبدالرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. الحديث بطوله.

وفيه: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها: " رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف " انتهى محل الغرض من صحيح البخاري.

وفيه أن الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها لم تقرأ في المصحف، يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها كما هو ثابت في الحديث المذكور.

وفي رواية في البخاري من حديث عمر رضي الله عنه " لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى، وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف ".

قال سفيان: كذا حفظت " ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ".

وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذه الرواية الأخيرة، " وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، عن علي بن عبدالله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف، وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد قرأناها إلى قوله: ألبتة، ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا، فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية جعفر ثم قال: لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة... غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك.

قلت: وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن كيسان، وعقيل، وغيرهم من الحفاظ عن الزهري ".

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٨٧