تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.116-120

كان الكلام قبل هذه الآيات في تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى، وفي إلهامه للحواريين بالإيمان به وبرسوله، وفي طلب الحواريين من عيسى انزال مائدة من السماء، وبقية القصة، اما في هذه الآيات فنحن أمام أحد مشاهد يوم القيامة، ذلك اليوم العظيم الذي يكشف فيه كل شيء، على مرأى من الناس جميعا. يومذاك يأتي جواب سيدنا عيسى الصريح بأنه بريء من كل ما افتروا عليه، وانه يفوض الأمر لله العلي القدير.

أذكر ايها النبي ما سيحدث يوم القيامة، حين يقول الله مخاطبا عيسى ابن مريم على رؤوس الأشهاد: أأنت يا عيسى قلت للناس اجعلوني أنا وأمي إلهين، من دون الله؟ فيقول عيسى: سبحانك. إنني أنزهك تنزيها تاما عن أن يكون لك شريك، ولا يصح لي ان طلب طلبا ليس لي أدنى حق فيه. ولو كنت يا ربي قلت ذلك لعلمته سبحانك، فأنت تعلم خفايا نفسي، ولا أعلم ميط بكل شيء، أما أنا فلا أعلم شيئا.

وبعد تنزيه ربه، وتبرئة نفسه مما نسب إليه، بين المسؤول حقيقة ما قاله لقومه وأن ذلك لم يتعد تبليغ الرسالة التي كلف بها، وأنه أعلن عبوديته وعبوديتهم لله، ودعاهم الى عبادته.

﴿ ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾

ما قلت لهم إلا ما أمرتني بتبليغه لهم. قلت لهم: اعبدوا الله وحده مالك أمري وأمركم، وانك ربي وربهم، وانني عبد من عبادك مثلهم.

﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ﴾

كنت قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون مدة وجودي بينهم.

﴿ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ﴾

فلما انتهى أجل إقامتي الذي قدرته لي بينهم، وقبضتني إليك، ظللت انت وحدك المطلع عليهم، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم، فكل شيء غيروه بعدي لا علم لي به، وأنت تشهد على ذلك كله.

وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله تعالى توفى عيسى ابن مريم ثم رفعه إليه، فيما تفيد بعض الآثار أنه حي عند الله. وليس هناك أي تعارض، فإن الله تعالى قد توفاه من حياة الأرض، لكنه حي عنده، مثل بقية الشهداء.. فهم يموتون في الأرض وهم عند الله أحياء. اما صورة حياتهم عند ربهم فشيء لا نعرف كيفه.

وقد جاء في إنجيل يوحنا نص صريح بأن المسيح رسول: " وهذه هي الحياة الأبدية، ان يعرفوك انت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي ارسلته ". فالتبديل في العقيدة والتغيير، انما حدث بعد غياب المسيح.

وقد تكلم المفسرون والعلماء في موضوع الرفع الذي نطرقه واطالوا في ذلك، وقد بحث أستاذنا المرحوم الشيخ محمود شلتوت هذا الموضوع بحثا مستفيضا في فتاواه، وخلاصه ما قال: " والمعنى ان الله توفىعيسى ورفعه اليه وطهره من الذين كفروا.

وقد فسر الألوسي قوله تعالى ﴿ إني متوفيك ﴾ بمعنى: إني مستوف أجلك ومميتك حتف أنفك لا اسلط عليك من يقتلك، وهو كناية عن عصمته من الأعداء وما كانوا بصدده من الفتك به عليه السلام.

وظاهر ان الرفع الذي يكون بعد استيفاء الأجل هو رفع المكانة لا رفع الجسد، خصوصا وقد جاء بجانبه قوله: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ مما يدل على أن الأمر أمر تشريف وتكريم.

وقد جاء الرفع في القرآن كثير بهذا المعنى، ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ ، ﴿ نرفع درجات من نشآء ﴾ ، ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ ، ﴿ ورفعناه مكانا عليا ﴾ ، ﴿ يرفع الله الذين آمنوا ﴾. الى ان يقول وبعد، فما عيسى إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، ناصبه قومه العداء، وظهرت على وجوههم بوادر الشر بالنسبة إليه، فالتجأ إلى الله، فأنقذه الله بعزته وحكمته وخيب مكر أعدائه. هذا هو ما تضمنته الآيات ﴿ فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ﴾ إلى آخرها، بين الله فيها قوة مكره بالنسبة الى مكرهم، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع اذ قال: ﴿ يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ﴾ ، فهو يبشره بإنجائه من مكرهم ورد كيدهم في نحورهم، وانه سيستوفي أجله حتى يموت من غير قتل ولا صلب، ثم يرفعه الله إليه. الخ ".

تيسير التفسير · الصفحة ٢٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٢٩٣