5.53
جهد أيمانهم: أغلظ أيمانهم. حبطت أعمالهم: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها نفاقا كالصلاة والصيام، فخسروا أجرها وثوابها.
ويقول المؤمنون الصادقون، متعجبين من حال المنافقين اذ أقسموا بأغلظ الايمان لهم أنهم معهم، وأنهم مناصروهم على أعدائهم اليهود، أهؤلاء الذين بالغوا في حلفهم بالله أنهم معكم في الدين مؤمنون مثلكم؟ لقد كذبوا فبطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها نفاقا. بذلك خسروا ما كانوا يرجون من الله. لقد صدق الله وعده مع المؤمنين المخلصين وخذل الكافرين.
قراءات:
قرأ عاصم وحمزة والكسائي " ويقول " بالواو، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر " يقول " بدون واو، وقرأ ابو عمرو " ويقول " بنصب اللام.
5.54
أذلة على المؤمنين: متواضعون رحماء للمؤمنين. أعزة على الكافرين: اشداء على الكافرين. كما قال تعالى في سورة الفتح ﴿ أشدآء على الكفار رحمآء بينهم ﴾.
بعد أن ذكر سبحانه أن من يتولى الكافرين من دون الله يعد منهم، بين هنا حقيقة دعمها بخبر من الغيب أظهره الزمن يومذاك، وهي: أن بعض الذين آمنوا نفاقا سيرتدون عن الاسلام جهرا.
يا أيها الذين آمنوا: إن من يرجع منكم عن الإيمان الى الكفر، لن يضر الله قليلا ولا كثيرا. فالله سوف يأتي بدلهم بقوم خير منهم، يحبهم الله لأنهم يحبونه، فيوفقهم للهدى والطاعة.
وسيكون هؤلاء ذوي تواضع ورحمة بإخوانهم المؤمنين، وفيهم شدة على أعدائهم الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخشون في الله لومة لائم. وذلك فضل الله يمنحه لمن يشاء ممن يستحقونه، والله كثير الفضل، عليم بمن هو أهل له.
في هذه الآية إخبار من الغيب، فإنه لما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم ارتد كثير من العرب. وكان المرتدون فريقين: فريقا ارتد عن الإسلام، وفريقا منع الزكاة. وكان قد ارتد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار، وهو الأسود العنسي. وكان كاهنا تنبأ باليمن، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي، واخبر سول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فسر به، وقبض عليه السلام من الغد.
وارتد مسيلمة ومعه بنو حنيفة، وكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من مسليمة رسول الله الى محمد رسول الله، سلام عليك: أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون ".
فكتب اليه النبي: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ".
وحاربته جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد، وقتله وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: " قتلت في جاهليتي خير الناس، وفي إسلامي شر الناس ".
وتنبأ طليحة بن خويلد الأسدي، وتبعه جمع غفير، فهزمه خالد بن الوليد. وهرب طليحة الى الشام ثم اسلم فحسن إسلامه.
وتنبأت سجاح بنت المنذر، الكاهنة، وزوجت نفسها من مسيلمة، ولها قصص طويل في التاريخ، ثم أسلمت بعد ذلك وحسن اسلامها.
وارتدت سبع قبائل في عهد أبي بكر منهم: فزارة، وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض بني تميم، وكندة، وبنو بكر. وهؤلاء كلهم حاربهم أبو بكر يناصره المهاجرون والأنصار، وهزمهم جميعا، وهكذا ثبت أبو بكر رضي الله عنه الإسلام بعزيمة صادقة، وإيمان قوي راسخ.
وقد وصف الله هؤلاء المؤمنين بست صفات: بأن الله يحبهم وهم يحبونه. وأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. وأنهم يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم. وأنهم صادقون لا يخافون في الله لومة لائم.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة " من يرتدد " بدالين، والباقون " من يرتد " بإدغام الدالين.