قراءات:
قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي ويعقوب السحت بضمتين، وهما لغتان.
﴿ فإن جآءوك فاحكم بينهم... ﴾
فإن جاؤوك لتحكم بينهم فأنت مخير بين الحكم بينهم والاعراض عنهم. فإن اخترت الإعراض عنهم فلن يضروك بأي شيء، لأن الله عاصمك من الناس. ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ﴾. وإن اخترت ان تحكم بينهم فاحكم بالعدل الذي أمر الله به، وهو ما تضمنه القرآن واشتملت عليه شريعة الاسلام. ان الله يحب العادلين. ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين ﴾.
عجبا لهم كيف يطلبون حكمك في قضاياهم مع ان حكم الله منصوص عليه عندهم في التوراة، هي شريعتهم، ثم يرفضون ما حكمت به لأنه لم يوافق هواهم!! ان أمرهم لمن أعجب العجب، وما سبب ذلك إلا أنهم ليسوا مؤمنين لا بالتوراة ولا بك أيضا.
5.44
التوراة: الكتاب الذين أنزل على موسى. الذين هادوا: اليهود: الربانيون: المنسوبون الى الرب. الأحبار: جمع حبر، وهو العالم، بما استحفظوا من كتاب الله: بما طلب اليهم حفظه منه. شهود: رقباء على الكتاب وعلى من يريد العبث به.
بعد ان ذكر سبحانه حال اليهود من تركهم حكم التوراة، وطلبهم من النبي ان يحكم بينهم، ثم رفضهم الحكم لما خالف اهواءهم بين لنا سبحانه وتعالى صفة التوراة التي يرفضونها فقال:
التوراة هداية أنزلت على موسى لبني اسرائيل، لكنهم أعرضوا عن العمل بها، لما عرض لهم من الفساد. وفي ذلك من العبرة ان الانتماء الى الدين لا ينفع أهله اذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه، وان إيثار اليهود اهواءهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به.
انا انزلنا التوراة على موسى مشتملة على الهدى والارشاد.
وبهذا الهدى والنور خرج بنو اسرائيل من وثنية الفراعنة إلى طريق التوحيد..
بموجب التوراة هذه كان يحكم النبيون الذين أخلصوا في دينهم، موسى ومن بعده من أنبياء بني اسرائيل الى وقت عيسى عليه السلام. كذلك كان يحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء، او بإذنهم حال وجودهم. وكانوا شهودا رقباء على ذلك الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به.
وقبل ان ينتهي السياق من الحديث عن التوراة يتجه الحديث الى المؤمنين عامة، فيدعوهم الى الحكم بكتاب الله، ويذكرهم أن من واجب كل من اسحفظ على كتاب الله ان يحفظه.
﴿ فلا تخشوا الناس واخشون... ﴾
فلا تخافوا الناس في أحكامهم، وخافوني انا ربكم رب العالمين. ولا تجروا وراء طمعكم فتبدلوا بآياتي التي أنزلتها ثمنا قليلا من متاع الدنيا كالرشوة والجاه وغيرها. ان كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله أو أخفاه وحكم بغيره لهو كافر، يستر الحق ويبدي الباطل. فأين يقع حكامنا هذه الأيام!