تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ينتهي عيسى ابن مريم إلى التفويض المطلق في أمرهم إلى الله تعالى وحده:

﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾.

ان تعذبهم بما فعلوا من تبديل وتغيير فإنهم عبادك، تتصرف فيهم كما تريد، وإن تعف عنهم فإنك وحدك مالك أمرهم، والقاهر الذي لا يغلب. ومهما تدفعه من عذاب فلا دافع له من دونك، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحولك وقوتك، لأنك أنت العزيز الذي لا يغلب، والحكيم الذي يضع كل شيء موضعه.

ثم يعقب على كل هذا المشهد بقوله تعالى:

﴿ قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾

أي أن هذا اليوم هو يوم القيامة، اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم في إيمانهم، وفي سائر أقوالهم وأحوالهم.

فهؤلاء الصادقون أعد الله لهم جنات يعجز عنها الوصف تجري من تحت أشجارها الأنهار، ثوابا من عند الله. وهم مقيمون فيها لا يخرجون منها ابدا.

قراءات:

قرأ نافع " هذا يوم " بالنصب، والباقون " هذا يوم " بالرفع.

وبعد أن بين ما أعد لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ختم هذه السورة المباركة بختام عظيم بين فيه تعالى أنه وحده له ملك السماوات والأرض وما فيهن، فهو وحده المستحق للعبادة.

﴿ لله ملك السماوات والأرض وما فيهن.... ﴾

أي ان الملك كله والقدرة كلها لله وحده فلا يجوز لانسان ان يتوجه الا اليه.

وقد روى الامام أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن جبير بن نفير الحضرمي الشامي، (أحد المخضرمين، أسلم في زمن أبي بكر) قال: حججت فدخلت على عائشة، فقالت: يا جبير، تقرأ المائدة؟ قلت: نعم. فقالت: أما إنها اخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه.

والحقيقة ان سورة المائدة من اعظم السور في القرآن الكريم لما اشتملت عليه من احكام وارشادات وبيان للحقائق بعد ان استتب الأمر للمسلمين. وفيها ما يرشد الى الوقت الذي نزلت فيه، والحالة التي صار إليها المسلمون في ذلك الوقت. فقد جاء فيها بعد ان فصل الله المحرمات قوله تعالى: ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا ﴾ تقرر أن المشركين الذين كانوا يعملون دائما على قهر المسلمين واذلالهم وتشتيتهم وتفريق كلمتهم وفتنتهم عن دينهم صاروا من كل ذلك في عجز وضعف، واستولى عليهم اليأس في الوصول الى أغراضهم.

وعليه فيجب على المسلمين وقد عصمهم الله من اعدائهم، وبدل بضعفهم قوة، وبخوفهم أمنا، ان يشكروا الله رب هذه النعمة، وان لا يكترثوا في اقامة دينه وتنفيذ احكامه بأحد سواه. فلقد يئس المشركون بإكمال الدين. وإكمال الدين يتناول إكماله بالبيان والتشريع، وبالقوة والتركيز.

وقد روي أن رجلا من اليهود جاء الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ان في كتابكم آية تقرؤونها لو أنها أنزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا اليوم الذي أنزلت فيه عيدا. قال عمر: وأية آية؟ قال ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا ﴾. فقال عمر: إني والله لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها. نزلت على رسول الله عشية عرفة في يوم جمعة، والحمد لله الذي جعله لنا عيدا.

وفي هذه السورة المباركة ظواهر تنفرد بها لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور المدنية حتى في أطول سور القرآن وهي سورة البقرة. ولذلك نرى ان كل ما يدور الحديث عنه في سورة المائدة يتعلق بأمرين بارزين: تشريع للمسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون، وارشادات لطرق المحاجة في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب.

وفي سياق هذه المحاجة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضين من اسلاف أهل الكتاب مع انبيائهم، تسلية للنبي من جهة، وتنديدا بهم عن طريق أسلافهم من جهة اخرى.

تيسير التفسير · الصفحة ٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ٢٩٤