تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل هو من قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ وقيل إلا ها هنا بمعنى سوى كقولك على ألف إلا الألفان القديمان والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض. ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ من غير اعتراض.

﴿ وأما الذين سعدوا ففى الجنة خلدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ﴾ غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب بالتأبيد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿ سعدوا ﴾ على البناء للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده، و ﴿ عطاء ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي أعطوا عطاء أو الحال من الجنة.

﴿ فلا تك فى مرية ﴾ شك بعد ما أنزل عليك من مآل أمر الناس. ﴿ مما يعبد هؤلاء ﴾ من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبة عبادتهم، أو من حال ما يعبدونه في أنه يضر ولا ينفع. ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل ﴾ استئناف معناه تعليل النهي عن المرية أي هم وآباؤهم سواء في الشرك، أي ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم أو ما يعبدون شيئا إلا مثل ما عبدوه من الأوثان، وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك فسيلحقهم مثله، لأن التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات، ومعنى ﴿ كما يعبد ﴾ كما كان يعبد فحذف للدلالة من قبل عليه. ﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ حظهم من العذاب كآبائهم، أو من الرزق فيكون عذرا لتأخير العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه. ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب لتقييد التوفية فإنك تقول: وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازا.

﴿ ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه ﴾ فآمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف هؤلاء في القرآن. ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ يعني كلمة الإنظار إلى يوم القيامة.

﴿ لقضي بينهم ﴾ بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به عن المحق. ﴿ وإنهم ﴾ وإن كفار قومك. ﴿ لفى شك منه ﴾ من القرآن. ﴿ مريب ﴾ موقع في الريبة.

﴿ وإن كلا ﴾ وإن كل المختلفين المؤمنين منهم والكافرين، والتنوين بدل من المضاف إليه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف مع الإعمال اعتبارا للأصل. ﴿ لما ليوفينهم ربك أعمالهم ﴾ اللام الأولى موطئة لقسم والثانية للتأكيد أو بالعكس وما مزيدة بينهما للفصل. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ﴿ لما ﴾ بالتشديد على أن أصله لمن ما فقلبت النون ميما للادغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أولاهن، والمعنى لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعمالهم. وقرىء لما بالتنوين أي جميعا كقوله:

أكلا لما

[الفجر: 19]

وإن كل لما

[يس: 32] على إن ﴿ إن ﴾ نافية و ﴿ لما ﴾ بمعنى إلا وقد قرىء به. ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فلا يفوته شيء منه وإن خفي.

﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة، وأطنب في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة مثل ما أمر بها وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين، والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر ولذلك قال عليه الصلاة والسلام

" شيبتني هود "

﴿ ومن تاب معك ﴾ أي تاب من الشرك والكفر وآمن معك، وهو عطف على المستكن في استقم وإن لم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه. ﴿ ولا تطغوا ﴾ ولا تخرجوا عما حد لكم. ﴿ إنه بما تعملون بصير ﴾ فهو مجازيكم عليه، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي. وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان.

﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته. ﴿ فتمسكم النار ﴾ بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه. وقرىء ﴿ تركنوا ﴾ » فتمسكم« بكسر التاء على لغة تميم و ﴿ تركنوا ﴾ على البناء للمفعول من أركنه. ﴿ وما لكم من دون الله من أولياء ﴾ من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال. ﴿ ثم لا تنصرون ﴾ أي ثم لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم، وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم، ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد، فإنه لما بين أن الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٥٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٥٩٣