يوم يجمعكم ليوم الجمع
[التغابن: 9] ومعنى الجمع له الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة. ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به كقوله:
في محفل من نواصي الناس مشهود
أي كثير شاهدوه، ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك.
﴿ وما نؤخره ﴾ أي اليوم. ﴿ إلا لأجل معدود ﴾ إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا منتهاها فإنه غير معدود.
﴿ يوم يأتى ﴾ أي الجزاء أو اليوم كقوله:
أو تأتيهم الساعة
[يوسف: 107] على أن ﴿ يوم ﴾ بمعنى حين أو الله عز وجل كقوله تعالى:
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل
[البقرة: 210] ونحوه. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ﴿ يأت ﴾ بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسر. ﴿ لا تكلم نفس ﴾ لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة، وهو الناصب للظرف ويحتمل نصبه بإضمار اذكر أو بالانتهاء المحذوف. ﴿ إلا بإذنه ﴾ إلا بإذن الله كقوله:
لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن
[النبأ: 38] وهذا في موقف وقوله:
هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون
[المرسلات: 35-36] في موقف آخر أو المأذون فيه هي الجوابات الحقة والممنوع عنه هي الأعذار الباطلة. ﴿ فمنهم شقى ﴾ وجبت له النار بمقتضى الوعيد. ﴿ وسعيد ﴾ وجبت له الجنة بموجب الوعد الضمير لأهل الموقف وإن لم يذكر لأنه معلوم مدلول عليه بقوله: ﴿ لا تكلم نفس ﴾ أو للناس.
﴿ فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق ﴾ الزفير إخراج النفس والشهيق رده، واستعمالها في أول النهيق وآخره والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير وقرىء ﴿ شقوا ﴾ بالضم.
﴿ خلدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ ليس لارتباط دوامهم في النار بدوامهما فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم وانقطاع دوامهما. بل التعبير عن التأبيد والمبالغة بما كانت العرب يعبرون به عنه على سبيل التمثيل، ولو كان للارتباط لم يلزم أيضا من زوال السموات والأرض زوال عذابهم ولا من دوامه دوامهما إلا من قبيل المفهوم، لأن دوامهما كالملزوم لدوامه، وقد عرفت أن المفهوم لا يقاوم المنطوق. وقيل المراد سموات الآخرة وأرضها ويدل عليه قوله تعالى:
يوم تبدل الأرض غير الأرض
[إبراهيم: 48] وإن أهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل، وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه. ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله: ﴿ فمنهم شقى وسعيد ﴾ تقسيما صحيحا لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين، أو لأن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحيانا، وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله ولقائه، أو من أصل الحكم والمستثنى زمان توقفهم في الموقف للحساب لأن ظاهره يقتضي أن يكونوا في النار حين يأتي اليوم، أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحكم مطلقا غير مقيد باليوم، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت.