11.15
﴿ من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها ﴾ بإحسانه وبره. ﴿ نوف إليهم أعمالهم فيها ﴾ نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرئاسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد. وقرىء «يوف» بالياء أي يوف الله و ﴿ نوف ﴾ على البناء للمفعول و «نوف» بالتخفيف والرفع لأن الشرط ماض كقوله:
وإن أتاه كريم يوم مسغبة
يقول لا غائب مالي ولا حرم
﴿ وهم فيها لا يبخسون ﴾ لا ينقصون شيئا من أجورهم. والآية في أهل الرياء. وقيل في المنافقين. وقيل في الكفرة وغرضهم وبرهم.
11.16-22
﴿ أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار ﴾ مطلقا في مقابلة ما عملوا لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. ﴿ وحبط ما صنعوا فيها ﴾ لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة، أو لم يكن لأنهم لم يريدوا به وجه الله والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإخلاص، ويجوز تعليق الظرف ب ﴿ صنعوا ﴾ على أن الضمير ل ﴿ الدنيا ﴾. ﴿ وبطل ﴾ في نفسه. ﴿ ما كانوا يعملون ﴾ لأنه لم يعمل على ما ينبغي، وكأن كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها. وقرىء «باطلا» على أنه مفعول يعملون و ﴿ ما ﴾ إبهامية أو في معنى المصدر كقوله:
ولا خارجا من في زور كلام
وبطل على الفعل ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، والهمزة لإنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين هممهم وأفكارهم على الدنيا وأن يقارب بينهم في المنزلة، وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر وتقديره أفمن كان على بينة كمن كان يريد الحياة الدنيا، وهو حكم يعم كل مؤمن مخلص. وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وقيل مؤمنو أهل الكتاب. ﴿ ويتلوه ﴾ ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل. ﴿ شاهد منه ﴾ شاهد من الله يشهد بصحته وهو القرآن. ﴿ ومن قبله ﴾ ومن قبل القرآن. ﴿ كتاب موسى ﴾ يعني التوراة فإنها أيضا تتلوه في التصديق، أو البينة هو القرآن ﴿ ويتلوه ﴾ من التلاوة والشاهد جبريل، أو لسان الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الضمير له أو من التلو والشاهد ملك يحفظه. والضمير في ﴿ يتلوه ﴾ إما لمن أو للبينة باعتبار المعنى ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ جملة مبتدأة. وقرىء ﴿ كتاب ﴾ بالنصب عطفا على الضمير في ﴿ يتلوه ﴾ أي يتلو القرآن شاهد ممن كان على بينة دالة على أنه حق كقوله:
وشهد شاهد من بنى إسرءيل
[الأحقاف: 10] ويقرأ من قبل القرآن التوراة. ﴿ إماما ﴾ كتابا مؤتما به في الدين. ﴿ ورحمة ﴾ على المنزل عليهم لأنه الوصلة إلى الفوز بخير الدارين. ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى من كان على بينة. ﴿ يؤمنون به ﴾ بالقرآن. ﴿ ومن يكفر به من الأحزاب ﴾ من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ فالنار موعده ﴾ يردها لا محالة. ﴿ فلا تك فى مرية منه ﴾ من الموعد، أو القرآن وقرىء «مرية» بالضم وهما الشك. ﴿ إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ لقلة نظرهم واختلال فكرهم.
﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾ كأن أسند إليه ما لم ينزله أو نفى عنه ما أنزله. ﴿ أولئك ﴾ أي الكاذبون. ﴿ يعرضون على ربهم ﴾ في الموقف بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم.
﴿ ويقول الأشهاد ﴾ من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم، وهو جمع شاهد كأصحاب أو شهيد كأشراف جمع شريف. ﴿ هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظلمين ﴾ تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله.
﴿ الذين يصدون عن سبيل الله ﴾ عن دينه. ﴿ ويبغونها عوجا ﴾ يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة. ﴿ وهم بالآخرة هم كفرون ﴾ والحال أنهم كافرون بالآخرة وتكريرهم لتأكيد كفرهم واختصاصهم به.
﴿ أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض ﴾ أي ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم. ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ يمنعونهم من العقاب ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم. ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ استئناف وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يضعف» بالتشديد. ﴿ ما كانوا يستطيعون السمع ﴾ لتصامهم عن الحق وبغضهم له. ﴿ وما كانوا يبصرون ﴾ لتعاميهم عن آيات الله، وكأنه العلة لمضاعفة العذاب. وقيل هو بيان ما نفاه من ولاية الآلهة بقوله: ﴿ وما كان لهم من دون الله من أولياء ﴾ فإن ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية وقوله: ﴿ يضاعف لهم العذاب ﴾ اعتراض.