تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ كأن لم يقيموا فيها. ﴿ ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ﴾ شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم. وقرىء ﴿ بعدت ﴾ بالضم على الأصل فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك، والبعد مصدر لهما والبعد مصدر المكسور.

﴿ ولقد أرسلنا موسى بئايتنا ﴾ بالتوراة أو المعجزات. ﴿ وسلطن مبين ﴾ وهو المعجزات القاهرة أو العصا، وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها، ويجوز أن يراد بهما واحد أي: ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانا له على نبوته واضحا في نفسه أو موضحا إياها، فإن أبان جاء لازما ومتعديا، والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة، والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص بما فيه جلاء.

﴿ إلى فرعون وملإيه فاتبعوا أمر فرعون ﴾ فاتبعوا أمره بالكفر بموسى أو فما تبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم. ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ مرشد أو ذي رشد، وإنما هو غي محض وضلال صريح.

﴿ يقدم قومه يوم القيمة ﴾ إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال يقال قدم بمعنى تقدم. ﴿ فأوردهم النار ﴾ ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه ونزل النار لهم منزلة الماء فسمى إتيانها موردا ثم قال: ﴿ وبئس الورد المورود ﴾ أي بئس المورد الذي وردوه فإنه يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش والنار بالضد، والآية كالدليل على قوله:

وما أمر فرعون برشيد

[هود: 97] فإن من كان هذه عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له على أن المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها.

﴿ وأتبعوا فى هذه ﴾ الدنيا. ﴿ لعنة ويوم القيمة ﴾ أي يلعنون في الدنيا والآخرة. ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ بئس العون المعان أو العطاء المعطى، وأصل الرفد ما يضاف إلى غيره ليعمده، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين.

﴿ ذلك ﴾ أي ذلك النبأ. ﴿ من أنباء القرى ﴾ المهلكة. ﴿ نقصه عليك ﴾ مقصوص عليك. ﴿ منها قائم ﴾ من تلك القرى باق كالزرع القائم. ﴿ وحصيد ﴾ ومنها عافي الأثر كالزرع المحصود، والجملة مستأنفة وقيل حال من الهاء في نقصه وليس بصحيح إذ لا واو ولا ضمير.

﴿ وما ظلمنهم ﴾ بإهلاكنا إياهم. ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بأن عرضوها له بارتكاب ما يوجبه. ﴿ فما أغنت عنهم ﴾ فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم بل ضرتهم. ﴿ آلهتهم التى يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك ﴾ حين جاءهم عذابه ونقمته. ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ هلاك أو تخسير.

﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الأخذ. ﴿ أخذ ربك ﴾ وقرىء ﴿ أخذ ربك ﴾ بالفعل وعلى هذا يكون محل الكاف النصب على المصدر. ﴿ إذا أخذ القرى ﴾ أي أهلها وقرىء »إذ« لأن المعنى على المضي. ﴿ وهى ظلمة ﴾ حال من ﴿ القرى ﴾ وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها، وفائدتها الإشعار بأنهم أخذوا بظلمهم وإنذار كل ظالم ظلم نفسه، أو غيره من وخامة العاقبة. ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير.

﴿ إن فى ذلك ﴾ أي فيما نزل بالأمم الهالكة أو فيما قصه الله تعالى من قصصهم. ﴿ لآية ﴾ لعبرة. ﴿ لمن خاف عذاب الأخرة ﴾ يعتبر به عظمته لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة، أو ينزجر به عن موجباته لعلمه بأنها من إله مختار يعذب من يشاء ويرحم من يشاء. فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم لم يقل بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام لا لذنوب المهلكين بها. ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة دل عليه. ﴿ يوم مجموع له الناس ﴾ أي يجمع له الناس، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه من شأنه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله:

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٥٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٥٩١