كما ترى اليوم واحدا من المسلمين قالبه في المسجد في الصلاة وقلبه في السوق في المعاملة، حتى قال أحدهم: جريدة حسابي هي الصلاة. أي: إذا فرغت من أشغال الدنيا إلى الصلاة أخذ قلبي في تصفح تجاراتي وما لي على الناس وما للناس علي، وذلك موجب للانحطاط عن العالم العلوي الإنساني إلى الأفق السفلي الحيواني. وهو معنى قوله:
﴿ فقلنا لهم كونوا قردة ﴾ أي: مشابهين الناس في الصورة وليسوا بهم ﴿ خاسئين ﴾ بعيدين، طريدين. والمسخ بالحقيقة حق غير منكر في الدنيا والآخرة، ووردت به الآيات والأحاديث كقوله تعالى:
وجعل منهم القردة والخنازير
[المائدة، الآية: 60]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يحشر بعض الناس على صور يحسن عندها القردة والخنازير "
وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام:
" المسوخ ثلاثة عشر "
، ثم عدهم وبين أعمالهم ومعاصيهم وموجبات مسخهم. والحاصل أن من غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال استعداده وتمكن في طباعه وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا صار طباعه طباع ذلك الحيوان ونفسه نفسه، فاتصلت روحه عند المفارقة ببدن يناسب صفته فصارت صفته صورته والله أعلم بذلك.
2.67-71
﴿ وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ هي النفس الحيوانية، وذبحها قمع هواها الذي هو حياتها ومنعها عن أفعالها الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة ﴿ قالوا أتتخذنا ﴾ مهزوا بنا، وتستخفنا لنطيعك ونتسخر لك كما جاء في حق فرعون: فاستخف قومه فأطاعوه. ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ الاستخفاف والاستهزاء وطلب الترؤس هو فعل الجهال.
﴿ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ﴾ أي: سل لنا ربك ما هي ﴿ إنها بقرة لا فارض ﴾ أي: غير مسنة لزوال استعدادها ورسوخ اعتقادها وضراوتها بعاداتها كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. ﴿ ولا بكر ﴾ أي: فتية، لقصور استعدادها عما يراد منها وعسر احتمالها للرياضة لغلبة القوى الطبيعية وقوتها فيها ﴿ عوان ﴾ نصفة ﴿ بين ﴾ ما ذكر ﴿ صفراء ﴾ لأن لون الجسم أسود لعدم النورية فيه أصلا، ولون النفس النباتية أخضر لظهور النورية فيها، وغلبة السواد عليها لعدم إدراكها، ولون القلب أبيض لتجرده عن الجسم، وقوة إدراكه، وكمال نوريته. فلزم أن يكون لون النفس الحيوانية في الحيوانات العجم أحمر لتركب نورية إدراكها وسواد تعلقها بالجسم، إذ الحمرة لون بين البياض والسواد ومركب منهما، لكن السواد فيه أكثر. وفي الإنسان أصفر لغلبة نورية إدراكها بمجاورة القلب، إذ الصفرة حمرة عليها البياض ﴿ فاقع لونها ﴾ لصفاء استعدادها وشعشعان شعاع نور القلب عليها ﴿ تسر الناظرين ﴾ لقوة نور استعدادها وتشعشعها والناظرون هم الكاملون المطلعون على الاستعدادات لوجوب محبتهم للمستعدين المستبصرين وذوقهم بحضورهم. ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لكثرة البقر الموصوف بهذه الصفة، أي: كثرة أصناف المستعدين وما كل مستعد طالبا. كما قيل: ما كل طبع قابلا ولا كل قابل طالبا، ولا كل طالب صابرا، ولا كل صابر واجدا. ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ إلى ذبح هذه البقرة. وقولهم: إن شاء الله، دليل على استعدادهم لعلمهم بأن الأمور متعلقة بمشيئة الله، ميسرة بتوفيقه. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لو لم يستثنوا لما ظفروا بها أبد الدهر ".
﴿ لا ذلول ﴾ غير مذللة، منقادة لأمر الشرع ﴿ تثير ﴾ أرض الاستعداد بالأعمال الصالحة والعبادات ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث المعارف والحكم التي فيها بالقوة باستقاء ماء العلوم الكسبية والأفكار الثاقبة، لعدم احتياج مثل هذه البقرة إلى الذبح ﴿ مسلمة ﴾ سلمها أهلها لترعى، غير مسوسة برسوم وعادات وشرائع وآداب ﴿ لا شية فيها ﴾ أي: لم يرسخ فيها اعتقاد ومذهب لعدم صلاحيتها للذبح.