2.59
﴿ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ﴾ أي: طلبوا الاتصاف بصفات النفس ابتغاء حظوظها سوى طلب الاتصاف بصفات الله ابتغاء الحظوظ الروحية. كما روي عنهم حنطا سمقاثا أي: نطلب غذاء النفس. ﴿ فأنزلنا ﴾ على الظالمين خاصة ﴿ رجزا ﴾ عذابا وضنكا وضيقا وظلمة في حبس النفس وأسرا في وثاق التمني واحتجابا في قيد الهوى، وحرمانا وذلا بمحبة المادة السفلية وتغيرها وزوالها من جهة قهر سماء الروح، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم أي خروجهم عن طاعة القلب إلى طاعة النفس، وتركنا التأويل الثاني لقربه منه جدا.
2.60
﴿ وإذ استسقى موسى ﴾ طلب نزول أمطار العلوم والحكم والمعاني من سماء الروح، فأمرناه بضرب عصا النفس التي يتوكأ عليها في تعلقه بالبدن وثباته على أرضه بالفكر على حجر الدماغ الذي هو منشأ العقل ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ﴾ من مياه العلوم على عدد المشاعر الإنسانية التي هي الحواس الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة، والعاقلة النظرية والعملية. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:
" من فقد حسا فقد فقد علما "
﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ أي: أهل كل علم مشربهم من ذلك العلم، كأهل الصناعات، والعلماء العاملين من مشرب العقل العملي، والحكماء والعارفين من النظري والصباغين من علم الألوان المبصرة، وأهل صناعة الموسيسقى من علم الأصوات وغير ذلك. وعلى التأويل الثاني: أمرنا موسى القلب، بضرب عصا النفس على حجر الدماغ، ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ﴾ هي المشاعر المذكورة التي تختص كل واحدة منها بقوة من القوى الاثنتي عشرة المذكورة التي هي أسباط يعقوب الروح، قد علم كل منها مشربه ﴿ كلوا واشربوا من رزق الله ﴾ أي: انتفعوا بما رزقكم الله من العلم والعمل والأحوال والمقامات. ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ولا تبالغوا في الفساد بالجهل.