2.63-64
﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ أي: عهدكم السابق أو اللاحق المأخوذ منهم في التوراة أو بدلائل العقل بتوحيد الأفعال والصفات ﴿ ورفعنا فوقكم ﴾ طور الدماغ لتمكن من فهم المعاني وقبولها. وقلنا ﴿ خذوا ﴾ أي: اقبلوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من التوراة أو كتاب العقل الفرقاني بجد ﴿ واذكروا ﴾ وعوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع، لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ﴿ ثم ﴾ أعرضتم ﴿ من بعد ذلك ﴾ بإقبالكم إلى الجهة السفلية ﴿ فلولا فضل الله عليكم ﴾ بهدايته العقل ﴿ ورحمته ﴾ بنور البصيرة والشرع ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾.
2.65-66
﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا ﴾ اعلم: أن الناس لو أهملوا وتركوا وخلي بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وانهمكوا في اللذات الجسمانية، والغواشي الظلمانية لضراوتهم بها واعتيادهم من الطفولية والصبا حتى زالت استعداداتهم وانحطوا عن رتبة الإنسانية، فمسخوا كما قال تعالى:
من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير
[المائدة: 60]، وإن حفظوا وروعوا بالسياسات الشرعية والعقلية والحكم والآداب والمواعظ الوعدية والوعيدية ترقوا وتنوروا، كما قال الشاعر:
هي النفس إن تهمل تلازم خساسة
وإن تبتعث نحو الفضائل تبهج
فلهذا وضعت العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة لتزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة اتخاذ اللذات، وارتكاب الشهوات. فتتنور بواطنهم بنور الحضور، وتنتعش قلوبهم بالتوجه إلى الحق عن السقوط في هاوية النفس والعثور، وتستريح بروح الروح، وحب الوحدة عن وحشة الهوى، وتعلق الكثرة، كما قال عليه السلام:
" الصلاة بعد الصلاة كفارة ما بينهما من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر "
ألا ترى كيف أمرهم عند الحدث الأكبر ومباشرة الشهوة بتطهير الغسل، وعند الأصغر بالوضوء، وعند الاشتغال بالأشغال الدنيوية في ساعات اليوم والليل بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات الحواس الخمس الحاصلة في النفس بسببها، كل بما يناسبه، فلذلك وضعوا بإزاء وحشة تفرقة الأسبوع وظلمة انفرادهم بدؤوب الأشغال والمكاسب، والملابس البدنية، والملاذ النفسانية، اجتماع يوم واحد على العبادة والتوجه لتزول وحشة التفرقة بأنس الاجتماع وتحصل بينهم المحبة والأنس وتزول ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية والإعراض عن الحق بنور العبادة والتوجه، ويحصل لهم التنور فوضع لليهود أول أيام الأسابيع لكونهم أهل المبدأ والظاهر، وللنصارى بعده لأنهم أهل المعاد والروحاني والباطن المتأخرين عن المبدأ والظاهر بالنسبة إلينا، وللمسلمين آخرها الذي هو يوم الجمعة لكونهم في آخر الزمان أهل النبوة الخاتمة وأهل الوحدة الجامعة للكل، وإن جعل السبت آخر الأيام - على ما نقل أنه السابع - فبالنسبة إلى الحق تعالى لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم، وعالم العقل الذي إليه دعوة النصارى أولها، والجمعة هي يوم الجمع والختم، فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلا زال نور استعداده، فمسخ كما مسخت أصحاب السبت. نهوا عن الصيد، أي: إحراز الحظوظ النفسانية واقتنائها في يوم السبت، فاحتالوا فيه فاتخذوا حياضا على ساحل البحر ليحبسوا فيها الحيتان ويصطادوها يوم الأحد. أي: ادخروا في سائر أيام الأسبوع من ماء بحر الهيولى الجرمية والجرمانيات المادية في حياض بيوتهم فجمعوا بها أنواع المطاعم والمشارب والملاذ والملاهي، فاجتمع لهم كل الحظوظ النفسانية في يوم السبت ما اكتفوا به سائر أيام الأسبوع ليفرغوا فيها إلى الاشتغال بالمكاسب والصناعات والمهن، كحما هو عادة اليهود اليوم وشطار المسلمين في الجماعات فإن أكثر فسقهم فيها، فذلك اعتيادهم في السبت وهو يدل على أن جميع أوقات حضورهم مصروفة في هموم الدنيا وطلب حظوظ النفس والهوى.