تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60 - سورة الممتحنة

60.1-2

عدو الله هو الذي خالف عهده وأعرض بقلبه عن جنابه، فبالضرورة يكون مشركا بمحبة الغير وعدوا لكل موحد ينفي الغير لكون كل منهما في عدوة حينئذ ولهذا قال: ﴿ عدوي وعدوكم ﴾ وأشار إلى كون الموالاة بينهما عرضيا لا ذاتيا بقوله: ﴿ تلقون إليهم بالمودة ﴾ ثم بين امتناع كونه ذاتيا ببيان المنافاة الذاتية بينهما وعدم المناسبة والجنسية من جميع الوجوه بقوله: ﴿ وقد كفروا ﴾ إلى آخره، ثم أشار إلى أن وقوعها لا يكون إلا عند الجنسية وحدوث الميل إلى الشرك، فإن وقعت فلا بد منهما بقوله: ﴿ ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ أي: طريق الوحدة.

60.3-6

ثم أشار إلى أن العرضية لا يجوز أن يختارها أهل التحقيق لأن السبب الموجب لها أمور فانية لا يبقى نفعها إلا في الدنيا والعاقل يجب أن يختار الأمور الباقية دون الفانية بقوله: ﴿ لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ﴾ أي: لا نفع لمن اخترتم موالاة العدو الحقيقي لأجله لأن القيامة الصغرى مفرقة بينكم تفريقا أبديا لعدم الاتصال الحقيقي الباقي بعد الموت بينكم، وهذا معنى قوله: ﴿ يوم القيامة يفصل بينكم ﴾ أي: يفصل الله بينكم وبين أرحامكم وأولادكم، كما قال:

يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه

[عبس، الآيات:34 - 36]. ثم علمهم طريق التوحيد بالتأسي بالموحد الحقيقي السابق إبراهيم النبي عليه السلام وأصحابه ﴿ لأستغفرن لك ﴾ أي: لأطلبن لك الغفران بمحو صفاتك وسيئات أعمالك بالنور الإلهي ﴿ وما أملك ﴾ إلا الطلب. وأما وجود ذلك فأمر متعلق بمشيئة الله وعنايته كما قال:

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء

[القصص، الآية:56].

﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ بالخروج عن أفعالنا بشهود أفعالك ﴿ وإليك أنبنا ﴾ بمحو صفاتنا بمطالعة صفاتك ﴿ وإليك المصير ﴾ بفناء ذواتنا ووجوداتنا في ذاتك وهو التوحيد التام.

﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ أي: إنا لا نخافهم ولا نرى لهم تأثيرا ولا وجودا ولكنا نعوذ بعفوك من عقابك حتى لا تعاقبنا بهم ولا تبلينا بأيديهم بسبب ما فرط منا من السيئات والظهور بالصفات ﴿ واغفر لنا ﴾ ذنوب تفريطاتنا بالعفو لا بالعقوبة ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ القوي على عقابنا بهم وعلى دفعهم عنا وقمعهم وقهرهم ﴿ الحكيم ﴾ لا يفعل أحد الأمرين ولا يختاره إلا بمقتضى الحكمة ثم كرر وجوب التأسي بإبراهيم وأصحابه وأثبته لمن كان في بداية التوحيد في مقام الرجاء وتوقع الكمال.

تفسير القرآن · الصفحة ٥٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٥٧٦