50 - سورة ق
50.1-14
﴿ ق ﴾ إشارة إلى القلب المحمدي الذي هو العرش الإلهي المحيط بالكل كما ان (ص) إشارة إلى صورته على ما رمز إليه ابن عباس في قوله: (ص) جبل بمكة كان عليه عرش الرحمن حين لا ليل ولا نهار، ولكونه عرش الرحمن، قال:
" قلب المؤمن عرش الله "
، وقال:
" لا يسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن ".
قيل: ﴿ ق ﴾ جبل محيط بالعالم وراءه العنقاء لإحاطته بالكل وكونه حجاب الرب لا يعرفه من لم يصل إلى مقام القلب وإنما يطلع عليه من طلع هذا الجبل. أقسم به وبالقرآن المجيد أي: العقل القرآن الكامل فيه الذي هو الاستعداد الأولي الجامع لتفاصيل الوجود كله، فإذا برز وصار إلى الفعل كان عقلا فرقانيا ولا يخفى مجده وشرفه بهذا المعنى، أو القرآن المجيد النازل عليه الذي هو بعينه الفرقان البارز الذي أشرنا إليه جمعهما في القسم لتناسبهما وجواب القسم محذوف كما في ﴿ ص ﴾ وغيرها من السور، وهو: إنه لحق أو إنه لمعجز مدلول عليه بقوله: ﴿ بل عجبوا ﴾ الخ.
50.15-16
وبقوله: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول ﴾ أي: إما اهتدينا إلى إبداع الحقائق وإيجاد الأشياء الأولية كالأرواح والسموات وأمثالها، بل اعترفوا بذلك إنما هم في شبهة والتباس من خلق حادث يتجدد كل وقت، لبس عليهم الشيطان حتى قالوا:
وما يهلكنآ إلا الدهر
[الجاثية، الآية:24] ونسبوا التأثير إلى الزمان واحتجبوا عن معنى قوله:
كل يوم هو في شأن
[الرحمن، الآية:29]، ولو عرفوا الله حق معرفته وكان اعترافهم بإيجاده للخلق الأول عن علم ويقين لشاهدوا الخلق الجديد في كل آن فلم ينكروا البعث وكانوا عبادا مخلصين ليس للشيطان عليهم سلطان.
﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ تمثيل للقرب المعنوي بالصورة الحسية المشاهدة، وإنما كان أقرب مع عدم المسافة بين الجزء المتصل به وبينه، لأن اتصال الجزء بالشيء يشهد بالبينونة والإثنينية الرافعة للاتحاد الحقيقي ومعيته وقربه من عبده ليس كذلك، فإن هويته وحقيقته المندرجة في هويته وتحققه ليست غيره بل إن وجوده المخصوص المعين إنما هو بعين حقيقته التي هي الوجود من حيث هو وجود ولولاه لكان عدما صرفا ولا شيئا محضا. فحبل غاية القرب الصوري أي: الاتصال بالجزئية الذي لا اتصال أشد منه في الأجسام مع كونه سبب حياة الشخص، هذا أتم منه لبقائه. ثم بين أقربيته لينتفي القرب بمعنى الاتصال والمقارنة، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: " هو مع كل شيء " ، لا بمقارنة إذ الشيء به ذلك الشيء وبدونه ليس شيئا حتى يقارنه.