﴿ جئت بالحق ﴾ الثابت في بيان المستعد المشتاق، الطالب للكمال ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ لكثرة سؤالاتهم ومبالغاتهم وتعمقهم في البحث والتفتيش عن حالها، وفضول كلامهم في بيانها التي تدل على عدم انقياد النفس بالسرعة، وإبائها للرياضة، وغلبة الفضول عليها، وتعذر مطلوبهم، وتأخرهم عنه بسبب ذلك.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم "
، أي: لو لم يكن منهم كثرة فضول البحث والسؤال لما عز عليهم مطلوبهم لقوة قبولهم وإرادتهم، فكان سلس القياد، سهل الانقياد. ونهى صلى الله عليه وسلم عن كثرة السؤال، وقال:
" إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال "
قال الله تعالى:
لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم
[المائدة، الآية: 101].
وقيل في قصتها: إن شيخا من بني إسرائيل نتجت له عجلة على هذه الصفة، وكان له ابن طفل، فجاء بها إلى عجوز وقال: إنها لهذا الطفل، سلميها في مرعاها عساها تنفعه إذا بلغ. فلما وقعت هذه الواقعة وسعى بنو إسرائيل في طلب البقرة أربعين سنة سمعت العجوز بها، فأخبرت ابنها بما فعل أبوه وقد ترعرع، فجاء إلى المرعى فوجدها، فأتى بها فساوموه في شرائها ومنعته العجوز عن بيعها حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا. فالشيخ هو الروح، والعجوز الطبيعة الجسمانية، وابنه الطفل هو العقل الذي هو نتيجة الروح، والشاب المقتول هو القلب.
سلم شيخ الروح عجل النفس إلى عجوز الطبع ليرعى في مرعى اللذت الطبيعية حتى يكبر عسى طفل العقل أن ينتفع بها وقت البلوغ في انتزاع المعقولات من محسوساتها واستعمال الفكر الذي هو من قواها في اكتساب العلوم العقلية. وهو الذي جاء بها من المرعى وسعي بني إسرائيل أربعين سنة إشارة إلى السير إلى الله بالأعمال والآداب والتخلق بالأخلاق، إلى أوان البلوغ الحقيقي، وتجرد القلب، كما قال الله تعالى:
بلغ أشده وبلغ أربعين سنة
[الأحقاف، الآية: 15]. ومساومتهم إياها في شرائها إشارة غلى طلب القوى الروحانية المنورة بنور الهداية الشرعية والإرادة، وانتزاعها من العقل المشوب بالوهم، واستعباد العقل إياها بالمعقولات القياسية، وتسخيرها بالفكريات، وحجبها عن نور الهداية الشرعية بالقياسات العقلية، وعدم تحليتها بالشرعيات. وهذا هو الموجب لتشددهم في السؤال وتأخرهم وتباطئهم في الامتثال. ومنع العجوز إياه هو ممانعة الطبع في الانقياد للشرع، وموافقة العقل إياه في ذلك لرعاية العقل جانب الطبع في مصالح المعاش وترفيهه إياه، وترخيصه والتوسيع عليه أكثر من الشرع. وبيعها بملء مسكها ذهبا إشارة إلى تحليها بعد الذبح والسلخ بالعلوم النافعة الشرعية والعقلية الخلقية والأحكام الفرعية الدينية، واشتمال صورتها عليها التي توافق العقل والطبع وتنفعهما باستعمالهما إياها في تحصيل مصالح المعاش والمباغي الطبيعية والمطالب العقلية العملية بإذن الشرع من الوجه الحلال والتصرف المباح وأنواع الرخص في جميع التمتعات بعد حصول الكمال وتمام السلوك.