2.73
﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ بذنبها أو لسانها، على ما ورد في القصة، ليحيا، فيخبركم بالقاتل. وضرب الذنب إشارة إلى إماتة النفس وتبقية أضعف قواها وآخرها، وجهتها التي تلي النفس النباتية ورابطتها بها كالحس اللمسي مثلا وسائر الحواس الظاهرة فإنها ذنبها. وضرب اللسان إشارة غلى تعديل أخلاقها وقواها وتبقية فكرها الذي هو لسانها، وهما طريقان: طريق الرياضة وإماتة الغضب والشهوة، كما هو طريق التصوف وهو بالنفوس القوية الجانية المستولية الطاغية أولى، وطريق التحصيل وتعديل الأخلاق كما هو سبيل العلماء والحكماء، وهو بالنفوس الضعيفة والصافية المنقادة اللينة أولى. فضربوه، فقام وأوداجه تشخب دما، وأخبر بقاتليه، أي: صار حيا قائما بالحياة الحقيقية وعليه أثر القتل لتعلقه بالبدن وتلوثه بمطالبه بحسب الضرورة، وعرف حال القوى البدنية في منعها إياه عن إدراكه وحجبها له عن نوره. ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ أي: مثل ذلك الإحياء العظيم، يحيي الله موتى الجهل بالحياة الحقيقية العملية ﴿ ويريكم ﴾ دلائله وآيات صفاته لكي تعقلون.
2.74
﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ أي: بعد تطاول الأمد، وتراخي مدة الفترة، وتتابع التلوينات، وتوالي النزغات، قست قلوبكم بكثرة مباشرة الأمور واللذات البدنية، وملابسة الصفات النفسانية ﴿ فهي كالحجارة ﴾ من عدم تأثرها بالنقش العلمي ﴿ أو ﴾ شيء ﴿ أشد قسوة ﴾ منها، كالحديد مثلا. ثم بين أن الحجارة ألين منها بأن حالها منحصر في الوجوه الثلاثة المذكورة، فأفاد أن القلوب أربعة: قلب تنور بالنور الإلهي منطمسا فيه، واستغرق في البحر العلمي منغمسا فيه، فانفجرت منه أنهار العلم، فمن شرب منها يحيا أبدا كقلوب أهل الله السابقين وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ وقلب ارتوى من العلم، فحفظ ووعى، فانتفع به الناس، كقلوب العلماء الراسخين وهو المشار إليه بقوله: ﴿ وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ﴾ وقلب خشع وانقاد واستسلم وأطاع، كقلوب العباد والزهاد من المسلمين، وهو المشار إليه بقوله: ﴿ وإن منها لما يهبط من خشية الله ﴾ وأدنى أحوال حاله هو الهبوط من خشية الله، أي: الانقياد لما أمر الله من الميل إلى المركز بالسلاسة. وبقي قلب لم يتأثر قط بالعلم ولم يتلين بالخوف آبيا للهدى، متكبرا، ممتلئا بالهوى، متمردا، فلا يوجد من الجواهر ما يشبهه لقبول جميعها ما أمر الله به، فكيف بالحديد الذي يلين لما يراد منه؟ قال النبي عليه السلام:
" مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أخاذات أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في الدين فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به "
فبين عليه السلام القلوب الثلاثة الأخيرة، والأول من الأربعة هو القلب المحمدي. ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ تهديد للقاسية قلوبهم، أي: الله مطلع فيحجبهم عن نوره ويتركهم في ظلماتهم، والآيات التي تتلوها ظاهرة.