لقد كان هذا الترتيب منطقيا مع هذه الحقيقة. فقد كان في العالم موجتان اثنتان: موجة إلحاد، وموجة تغيير في منهج الله السماوي. ولذلك كانت قلوب المسلمين مع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب لأنهم على الأقل يؤمنون بإله، وأن الإله يرسل الرسل ومعهم المنهج الإلهي والمعجزات الدالة على صدق رسالتهم، وحتى الذين انحرفوا من أهل الكتاب كانوا يتمسحون في هذا الكتاب المنزل إليهم بالرغم من أنهم حرفوه. لقد وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقف بجانب الروم عندما واجهوا فارس. وعندما هزمت الروم حزن المسلمون وفرح الكفار لأن الروم كانوا أهل كتاب إنهم كانوا نصارى، وكانت هزيمتهم تعني انهزام منطق السماء أمام منطق الإلحاد، لذلك حزن المسلمون، وفرح الكفار. وأراد الله أن يصور لنا الموقف، وأن يوجه قلوبنا إلى الذين يؤمنون أيضا بأن هناك إلها حتى ولو كانوا قد أخطأوا في تصور هذا الإله وفي البلاغ عنه، أو أخطأوا في تأويل ما جاءت به الرسل فقال سبحانه:
الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله
[الروم: 1-5]. إن المسلمين يفرحون بنصر الروم على فارس لأن الروم لهم علاقة بالسماء، والرسل، والمناهج، والوحي. وجعل الله الأمر واضحا هكذا لكي يبين موقفنا وليجعلها إعجازا لكتابه ولرسوله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان موجودا بمقر الدعوة وهو الجزيرة العربية، وليس عنده سفارات ولا مخابرات ولا مكتب حربي حتى يأتيه بالأخبار وينبئه عن استعدادات الروم التي تجري لرد الهزيمة. هذا الرسول يتنبأ بخبر معركة قادمة بين الفرس والروم، وينتصر فيها الروم، معركة تحدث بعد سبع أو تسع سنوات. وعندما راهن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه المشركين على ذلك، وجعل بينه وبينهم خمس سنين أجلا لغلبة الروم وظهورهم على الفرس، ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له:
" البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل "
فكانت مائة بعير إلى تسع سنين. إن الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم كلام الواثقين، لأنه ينقل الخبر عن الله، وجعله الله قرآنا يتلى ويصلى به، ومحفوظا أبد الدهر، ولا يمكن أن يكذب هذا القائل إنه - سبحانه - هو الذي يملك ميزان الكون كله، وأي إنسان من رجالات الحرب المعاصرين لا يمكنه أن يتنبأ بمصير معركة قادمة، على الرغم مما قد يجمع لها ويحشد من معلومات عن القوة والعدة والعتاد. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ عن الله وهو واثق تمام الوثوق مما يبلغ.
وقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم الخصم الإلحادي، وكان قلبه مع أهل الكتاب، ونرى أيضا أن أهل الكتاب كانوا يستبشرون بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ألم يقل بعض أهل الكتاب وهم اليهود في المدينة للأوس والخزرج: قد أظل زمان نبي يبعث وسنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم. ولكنهم كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك لأنه سيسلب منهم السيادة، والسلطة الزمنية. إذن فنزول القرآن أولا كان في مكة، ومن بعد ذلك نزل في المدينة. لكن في الترتيب المصحفي - كما قلنا - جاءت المدنيات أولا، وبعد ذلك جاءت المكيات. وذلك حسب ما أراد الله عندما راجع رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن مع جبريل عليه السلام في رمضان الأخير من حياة الرسول الكريم. إن أصل الإيمان واحد، وهو الإيمان بإله، ووحي، ورسل، ومنهج، وكل ذلك له فائدة إقامة نظام يحكم الحياة. وهو نظام ضروري لتنصلح حال الحياة سواء آمن الناس بإله أو كفر بعضهم. وجاء هذا النظام الذي يحكم في السور المدنية أولا ولم يغفله الحق في بعض السور المكية. إن الحق شاء لرسوله أن يوحد القلوب المؤمنة بإله واحد أولا ليواجهوا معسكر الإلحاد. ولكن هناك من اختلف وتخلف عن مؤازرة موكب الإيمان. وهكذا تنتهي خواطرنا حول سورة المائدة، ومع أن سورة المائدة مدنية وسورة الأنعام مكية إلا أن السياق بين تذييل المائدة وافتتاح الأنعام فيه اتساق واضح. فالحق يقول في آخر سورة المائدة: ﴿ لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ﴾. ويقول سبحانه في أول سورة الأنعام: