تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض

[الأنعام: 75]. كأن الحق ينبهنا إلى أن العالم فيه ما يقع تحت الإحساس والإدراك، وفيه ما لا يقع تحت الإحساس والإدراك. فالذي يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملك. والذي لا يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملكوت. ولا نعرف عن عالم الملكوت إلا ما أخبرنا به الله. وهناك في عالم الملك ما يخفيه الله عنا، وسبحانه وحده هو القادر على كل شيء، والحق يطلب منا أن نعتبر بما في العالم المشهود من ظواهر. وله سبحانه مطلق العلم بعالم " الملكوت " أي ببواطن هذه الظواهر غير المشهودة. و " الملك " و " الملكوت " موجودان في الدنيا والآخرة، إلا أن الملك ظاهر والملكوت خفي. ويوزع الحق سبحانه وتعالى أسباب الملك في الدنيا بين أيدي خلقه، ويملك التصرف فيما بين أيدينا وفيما خفي عنا، ويشاء الحق أن ينهي هذه المسألة من مبررات الخلافة للإنسان على الإنسان في الأرض فيقول: ﴿ لله ملك السماوات والأرض وما فيهن ﴾ فلله الملكوت، ولكم بعض الملك أيها العباد في ظواهر نسبة الأشياء إلى أسبابها وذلك في الدنيا، أما يوم القيامة فكل شيء ينتهي إلى الله.

ولكن لماذا قال الحق: ﴿ وما فيهن ﴾ على الرغم من أن الحق استخلف الإنسان في الأرض، والإنسان عاقل وكان من حقه أن يغلب فيأتي القول: ومن فيهن لأن من للعاقل، لقد أراد الحق بذلك أن ينبئنا أن الكل أصبح لا اختيار له، وأصبح مقهورا على المراد منه فقد تساوى الجميع عاقلهم وغير عاقلهم فيقول لنا: ﴿ وما فيهن وهو على كل شيء قدير ﴾. وبهذه الآية ختمت سورة المائدة. وهي سورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن الكريم، وفيها التشريع. وفيها التكاليف. وفيها الأحكام. وفيها ما يتعلق بكل السور المدنية من بيان اعوجاج أهل الكتاب. ومن بعد ذلك جاءت سورة الأنعام، وهي مكية. وجاءت المكية بعد المدنية في الترتيب المصحفي حسب ما انتهى إليه آخر عرض للقرآن في آخر رمضان من حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام. ومن المعلوم أن القرآن له " ترتيب نزولي " و " ترتيب مصحفي ". والترتيب النزولي حسب ما نزلت سورة القرآن في مكة أو المدنية. ورب قائل يقول: إن الحق أنزل هذا القول الكريم فوق عرفات وهو قوله سبحانه:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي

[المائدة: 3]. فكيف يقال ذلك؟. نقول: لنفهم معا معنى الاصطلاح القائل: " مدني " و " مكي " ، هناك آيات من القرآن نزلت بالمدينة، وآيات أخرى نزلت بمكة، وآيات ثالثة فيما بينهما، وآيات رابعة نزلت بين السماء والأرض. وجاء الاصطلاح " مكي " على الآيات التي نزلت قبل الهجرة، وجاء الاصطلاح " المدني " على الآيات التي نزلت من بعد الهجرة، وإن نزلت بمكة. وأراد الحق أن يكون للقرآن ترتيب نزولي وترتيب مصحفي، وقد شاء سبحانه أن يعدل بالقرآن ميزان الكون الإنساني المضطرب، واضطراب الكون الإنساني إنما يكون بواسطة أناس لا يؤمنون بإله، أو بأناس يؤمنون بإله ويشركون معه غيره فيعبدون أوثانا، ويقولون:

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى

[الزمر: 3] أو بأناس يعبدون النار، أو بأناس تابعين لمنهج سماوي ولكن حرفوا فيه قليلا أو كثيرا. إننا نجد أن الأقرب إلى الإيمان بالله هم الأجناس الذين آمنوا بالرسالات السابقة على رسول الله، فقد جاءتهم الرسل ومعهم المعجزات، ومعهم كتب المناهج، والمنطق يقتضي أن يكون هؤلاء هم الأقرب للإيمان من غيرهم، ولذلك كان من المطلوب أن نواجه أولا الوثنيين ونصفي المعركة مع أهل الكتاب من بعد ذلك لأن أهل الكتاب لهم إلف بنزول منهج السماء إلى الأرض بواسطة الرسل. إذن ففي نزول القرآن كانت الأمور المكية التي تتعلق بالعقيدة الأساسية هي الظاهرة. وهي الاعتراف بألوهية واحدة تحكم الكون. أما في المدينة فد ناقش الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب في كل أمور الدين بعد أن استتب أمر التوحيد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٠٥