وقفوهم إنهم مسئولون
[الصافات: 24]. أي أن الحق يقرر أن كل كائن مسئول عما يفعل ويعتقد، ولكنه سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم:
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39]. فهل معنى ذلك أنهم لن يسألوا؟ لا، بل سوف يسألون ليقرروا ما فعلوا لا ليعلم الله منهم ما فعلوا، فهو سبحانه عليم بكل شيء.
وهؤلاء المستشرقون لا يعلمون أن السؤال يرد عند العرب على وجهين، وجه ليعلم السائل، ووجه ليقرر المسئول، وسؤال الحق للناس يوم القيامة ليقرروا ما فعلوا وكان منهم لأن الإقرار سيد الأدلة، وليس سؤال الحق سبحانه هو سؤال من يرغب في أن يعلم فسبحانه عليم بكل شيء، وعلى الإنسان أن يحتفظ بالمقام الذي وضعه فيه ربه، وكذلك كان عيسى ابن مريم. وكذلك يكون سؤال الله لعيسى، إنه لتقريع وتأنيب وتوبيخ من قالوا عن عيسى ما لم يبلغهم إياه. إن عيسى عليه السلام لم يبلغهم ولم يطلب منهم أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله لأن عيسى ابن مريم، إنما يبلغ ما أوحي إليه من ربه فقط، ولهذا تأتي إجابة عيسى ردا على أي تزيد من الأتباع: ﴿ قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ وساعة نسمع ﴿ سبحانك ﴾ فلنعرف أنها إجمال التنزيه لله، وهو تنزيه أن يشابهه خلق من خلق الله، فلله وجود، وللإنسان وجود، ولكن إياك أيها الإنسان أن تقول: إن وجودي كوجود الله لأن وجود الله ذاتي، ووجودك غير ذاتي وكل ما فيك موهوب لك من الله لذلك فلا غناك مثل غنى الله، بل غناه ذاتي وغناك موهوب منه سبحانه، ولا أي صفة من صفاتك كصفات الله، فله سبحانه مطلق القدرة والقوة، وعليك أن تأخذ كل شيء يتعلق بالله في نطاق " سبحانه " " وليس كمثله شيء ". وكذلك يكون تنزيه عيسى لربه وخالقه: ﴿ سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ فعيسى ابن مريم يعلم أن الرسول المصطفى من الله ليس له أن يقول إنه إله. ويرد عيسى على ذلك بقضية متفق عليها: ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ لأن الكل متفق على أن الله يعلم كل ما يبدر من العباد من سلوك وأقوال وأفعال
يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور
[غافر: 19]. والكل يعلم ارتفاع الحق وتنزهه عن أن يوجد له معلوم جديد لم يعلمه من قبل. والكل يعلم - كذلك - أن الله يعلم خفايا الصدور لذلك يقول عيسى: ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ ويقرر أن الحق العليم بكل شيء يعلم أن ذلك لم يخطر له على بال، وهذه هي العلة في إيراد ثلاث صور في هذه الآية. الصورة الأولى هي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ وهذا تنزيه من عيسى لربه، والصورة الثانية هي قول عيسى: ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ ، والصورة الثالثة هي: ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾. إذن فلا شيء من عند عيسى، وقد يسأل سائل: وماذا يكون في النفس؟ الذي يكون في النفس هو ما أسر به ولم يظهر لأن النفس تطلق مرة ويراد بها الذات التي تضم الروح والجسد معا، وعندما تطلق على ذات الله فنحن ننزهها عن أن تكون أبعاضا، ولكنها ذاته المأخوذة في نطاق التنزيه.
والمثال هو قول الحق:
كتب ربكم على نفسه الرحمة
[الأنعام: 54]. وهكذا يكون فهمنا لمجيء كلمة " نفس " منسوبة لله، إنه المنزه أن يكون مثلنا، فلله وجه ولنا وجه، ولكن وجه الله نفهمه في نطاق
ليس كمثله شيء
[الشورى: 11] وكذلك يد الله وكذلك كل صفات الله. ونعلم أن لله أسماء أعلمنا ببعضها، وعلم بعضا من خلقه بعضها، واستأثر ببعضها لذاته. وهناك بعض من الصفات لله تأتي لمجرد المشاكلة، كقول الحق:
إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم
[النساء: 142]. ولا نقول أبدا: إن الله مخادع، ولكن الصفة هنا جاءت للمشاكلة لذكرها في مقابلة يخادعون الله. ولذلك لا نأخذ منها اسما لله، بل إنه جاء للرد على ما يبدو من أعداء الله. ويختم عيسى ابن مريم قوله: ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ و " علام " هي مبالغة في ذات الحدث، ومبالغة في تكرير الحدث، فهو سبحانه يعلم غيب كل واحد من خلقه وغيب كل ما في كونه، وهكذا جاء القرآن برد عيسى عليه السلام وهو رد يستوعب كل مجالات الإنكار على الذين قالوا مثل هذا القول: ويتابع القرآن على لسان سيدنا عيسى عليه السلام ما يناقض ما قاله بعض من أتباعه فيقول: ﴿ ما قلت لهم... ﴾.