" بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك - بخاصة نفسك - ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم ".
وأنت حين لا تولي منحرفا عن منهج الله مودة، ورحمة، ومعروفا تكون قد ألزمت نفسك بالإيجابية. وإذا سأل المؤمن: وكيف يقاوم الإنسان؟. أجاب العلماء: من فر من اثنين، فقد فر، ومن فر من ثلاثة لم يفر. أي أن الإنسان في القتال إن واجهه شخصان ففراره هرب من المواجهة. وأما إن فر الإنسان وهو يواجه ثلاثة من الأعداء، فهذه حماية للنفس وليست فرارا. واستنبط العلماء هذا الحكم من وعد الله بنصر المؤمنين إن كان أعداؤهم مثليهم أي كعددهم مرتين وذلك من قول الحق تعالى:
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين
[الأنفال: 66]. هي إذن نسبة الرجل إلى الرجلين، فإن فر مؤمن من أمام اثنين في أثناء القتال فقد خرج عن موعود الله بالنصر له ويسمى فارا ويبوء ويرجع بغضب الله ويكون مآله جهنم لأن الله قد قال: ﴿ فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين ﴾ فقد وعد الله المقاتل المؤمن الصابر بالنصر إذا كان يقابل اثنين من الكفار.
لكن إذا هرب من مواجهة ثلاثة فقد فعل ما يحمي حياته لأن الدين لا يدعو إلى الانتحار لذلك نقول لمن يبغون تغيير المنكرات في الدنيا: لا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة ولا تقاتلوا عدوا يغلبكم بكثرته. واتبعوا قول النبي الصادق الأمين على استمرار أمته ما دامت تتمسك بمنهج الله. وتغيير المنكر بالقلب يتمثل - كما قلنا - في مقاطعة المنحرف مصداقا لقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ ونلاحظ أن " على " حرف جر، والكاف للخطاب، والميم للجمع، و " أنفسكم " منصوبة. فعليكم هي " اسم فعل " أي هي ليست اسما على حقيقته وليس حرفا على حقيقته، بل هي حرف دخل على ضمير فأدى مؤدى اسم الفعل، أو هو اسم فعل منقول من الجار والمجرور. ﴿ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ أي ألزموها، وحافظوا عليها، ومن الهداية أن نعرف كيف نواجه القضايا بالعقيدة الإيمانية، فينظر المؤمن إلى الكمية العددية للمهتدين، والكمية العددية للضالين. فإن كانت الكمية العددية مساوية فلتقبل على المواجهة. وإن كانت الكمية الضالة ضعف الكمية المؤمنة فلتقبل الكمية المؤمنة على المواجهة أيضا. وإن كانت الكمية الضالة أكثر من الضعف فالمؤمن معذور إن حمى نفسه بعدم المواجهة، ولكن عليه أن يقاطع كل منكر أو فاعل المنكر. كلنا نعرف تماما أن كل فرد يحب أن تكون له مكانة في المجتمع. فإن رأى الإنسان أن الصيت والمكانة والذكر الحسن للصادق المستقيم فالإنسان يتجه إلى أن يكون صادقا مستقيما. وأن رأى الفرد أن المكانة في المجتمع تكون للكاذب المنحرف فهو يتجه إلى أن يكون كاذبا منحرفا لذلك فعلى المؤمنين ألا يكرموا إلا من يسير على المنهج الصالح. فقد روى الإمام أحمد قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿ يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
" إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله - عز وجل - أن يعمهم بعقابه "
﴿ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا ﴾ ويطمئن الحق المؤمنين إلى أنهم إن قابلوا الضرر في حياتهم فليعلموا أن هذه الحياة ليست هي كل شيء، بل هناك حياة أخرى نرجع فيها إلى الله، فمن كان في جانب الله أعطاه الله خلودا أبديا في النعيم، ومن كان ضد منهج الله أعطاه الله عذاب الجحيم. وقال الحق ذلك لأن المؤمن لا يضمن نفسه في كثير من المواقف، فقد يدخل معركة وفي نيته الإخلاص لكنه قد ينحرف، فيصيبه الضرر على قدر ما انحرف.