ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون
[يوسف: 48]. أي أن الناس ستأكل في أعوام الجدب الكثير من الحبوب التي في المخازن ويجب أن يحتفظوا بقليل مما يحصنون في هذه المخازن، وذلك لاستبقاء جزء من القمح للزراعة. إذن ف من في قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ﴾ للتبعيض أي كلوا بعض ما رزقكم الله، فإن كانت الأشياء مما يكون بقاؤها سببا لامتداد نوعها فالنوع يكون متصلا. مثال ذلك رجل عنده بذور البطيخ وزرعها، وبعد أن جاءت الثمار أكلها هي والبذور فمن أين يزرع في العام القادم؟ كان يجب أن يحتفظ ببعض منها لتكون بذورا. وكان يجب أن يحتفظ بجزء من البطيخ ليعطي منه الجار أو المحتاج. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ مما رزقكم الله ﴾ تصلح لاستبقاء النوع وتصلح لصرف الزائد إلى غير القادر. ﴿ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ أي أنك حين تتقى من تؤمن به إلها فليس في ذلك غضاضة لأنك آمنت أنه إله وقوي، والغضاضة في أن تأتمر بأمر مساو لك، أما الانقياد والائتمار لأمر الأعلى منك، فهذا لا يكون سببا في الغضاضة إنما هو تشريف لك وتكريم. ونجد الحق يشرع لنا ذلك في قصة سيدنا موسى على السحرة، فألقى موسى عليه السلام عصاه، ورآها السحرة حية، والساحر ينظر إلى الشيء الذي تم سحره فيراه على حقيقته وصورته الأصلية، أما المسحورون بالرؤية فهم الذين يرون الشكل المراد لهم رؤيته.
ورأى السحرة حبالهم مجرد حبال وعصا موسى هي التي صارت حية. هنا عرفوا أنها مسألة أخرى فماذا قالوا؟:
قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون
[الشعراء: 47-48]. لقد عرفوا أن هذا أمر خارج عن نطاق البشرية. إذن فما كان من أمر السحرة تجاه قوم فرعون هو تخييل للنظر:
يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
[طه: 66]. وقال الحق:
سحروا أعين الناس
[الأعراف: 116]. أما موسى عليه السلام فحين ألقى العصا أول مرة ووجدها حية خاف لأنه رأى في ذلك قلبا للحقيقة. أما عند السحرة فليست حبالهم حيات حقيقية ولكنها سحر لأعين الناس أي تخييل للناظر. ومثال آخر هو سيدنا سليمان عندما أرسل لبلقيس ملكة سبأ. وجاء رسوله يقول لها:
ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين
[النمل: 31]. فماذا قالت لحاشيتها من رجال القتال؟:
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
[النمل: 32]. وهنا عرفت الحاشية أن المسألة تتطلب رأيا سياسيا فقالوا:
قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين
[النمل: 33]. الرأي إذن هو من حق السياسي الذي يزن الأمور بموازين العقل وموازين الاحتمال الواقعة، وموازين رد الفعل، وأدارت بلقيس المعركة سياسيا، فأرسلت هدية من مقام ملكة، فإن راقته الهدية فهو طالب دنيا ويريد خيرها، وعندما وصل رسلها بالهدية، ماذا قال سليمان؟
فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون
[النمل: 36-37]. وهنا عرفت بلقيس أن الإسلام أمر ضروري، وها هي ذي الدقة لنعرف أن الأمر من المساوى هو الذي يعطي عزة في الآمر وذلة في المأمور، أما إذا كان الأمر من غير المساوى ومن الأعلى - سبحانه - فلا ذلة فيه لأحد. وكان إيمان بلقيس إيمانا ملوكيا. فقالت:
وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين
[النمل: 44]. إنها لم تقل أسلمت لسليمان وإنما قالت:
وأسلمت مع سليمان لله
[النمل: 44]. إذن فلا غضاضة في إيمانها. وذلك حتى لا يظن شعبها أنها ذهبت به إلى حضيض الذلة في أن يحكمهم إنسان آخر. لكن هي وسليمان محكومان لله رب العالمين، ولا غضاضة في ذلك: ونعود إلى قوله جل شأنه: ﴿ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ [المائدة: 88]. أي: اجعلوا للإيمان حيثية، وما دمت قد آمنت وتأتمر بأمر من تؤمن به. فأنت لا تؤمن إلا بمن تثق في أنه يستحق الإيمان. وقوله أولا في الآية السابقة: ﴿ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ [المائدة: 88]. وقوله في تذييل هذه الآية: ﴿ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾ [المائدة: 88]. هو تسوير وإحاطة لطاعة بإيمانين، إيمان خوطبوا به، وإيمان أقروه به، ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ لا يؤاخذكم الله... ﴾.