وعندما سمع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة مريم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. وعرف رسول الله أن الإيمان قد خامر قلب النجاشي، بدليل أن أم حبيبة بنت أبي سفيان عندما هاجرت مع زوجها إلى الحبشة وتنصر الزوج لكنها بقيت على دينها على الرغم من أنها كانت تحبه خالص الحب، وهنا انفصلت أم حبيبة عن زوجها وذلك حتى يثبت الحق أن - هجرتها - كانت لله. وأراد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكرمها وأن يكرم النجاشي على موقفه من عدم تسليم المؤمنين إلى وفد قريش وموقفه من أنه شهد للإسلام بأنه يخرج من نفس المشكاة التي خرج منها إنجيل عيسى عليه السلام، لذلك يجعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولي نكاحه لأم حبيبة لأنه مأمون على ما عرف من الإنجيل، ومأمون على ما سمع من القرآن في مريم، ومأمون على أنه لم يسلم المهاجرين لذلك اختاره وكيلا عنه في زواجه من أم حبيبة بعد أن تنصر زوجها، وتلك حادثة واحدة أضاءت أكثر من موقف: موقف أم حبيبة التي أثبتت أنها لم تذهب إلى الهجرة تبعا لزوجها، فلو تبعت زوجها لتنصرت كما تنصر. وأضاءت أن رسول الله كان لا ينطق عن الهوى حين قال مسبقا عن النجاشي: إنه لا يظلم عنده أحد. وعندما يبلغ الرسول نبأ وفاة النجاشي فهو - صلى الله عليه وسلم - يصلي عليه صلاة الغائب. ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ﴾ [المائدة: 82]. وهذا امتنان من الله بأن جعل منهم القسيسين الذين يعلمون وهذا تكريم للعلم والرهبان الذين ينفذون منطوقات العلم. إذن فلنعلم أننا يجب أن نفرق بين العالم الذي قد يكتفى بأخذ العلم عنه إن لم يكن يعمل به، وأن نحترم الذين يعبدون الله تطبيقا للعلم بالله ونترك هؤلاء الذين لا يعملون بعلمهم لينالوا جزاءهم، ولكن علينا أن نأخذ بعلمهم ونعمل به.
فخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي
واجن الثمار وخل العود للنار
ونجد أن قوله الحق: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ﴾ حيثية تجعلهم أقرب مودة للمسلمين. فهل الرهبانية ممدوحة عند الله؟ وإذا كانت ممدوحة عند الله فلماذا قال سبحانه:
ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون
[الحديد: 27]. هو سبحانه يحدثنا عن موكب الرسل إلى أن وصل إلى عيسى عليه السلام وما جاء به من الإنجيل وكيف أودع في قلوب الذين اتبعوه شفقة شديدة ورقة وعطفا وابتدعوا الرهبانية زيادة منهم في العبادة ولم يفرضها الله عليهم، لكنهم التزموها ابتغاء رضوان الله لكن منهم من حافظ عليها والكثير منهم فسق عنها. وسبحانه حين يفرض أمرا تعبديا فعلى المؤمن أن يؤديه. ويزيد ثواب المؤمن إن ترقى في التعبديات. لكن إن ترقى الإنسان في التعبد فعليه أن يعطي هذا الترقي حقه لأنه ألزم به نفسه أمام الله. إذن فالمأخوذ عليهم ليس ابتداع الرهبانية، ولكن عدم رعاية بعضهم لها حق الرعاية. ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ﴾ إذن فمنهم من يرصد حياته للعلم، ومنهم النموذج التطبيقي العملي وهم الرهبان، وليس فيهم الاستكبار أو العلو، وما دام فيهم ذلك فهذا يعني أنهم لا يطلبون السلطة الزمنية. وسيظلون أقرب إلينا مودة ما دامت فيهم هذه الحيثية. فإن تخلوا عن واحدة منها وأصابوا سلطة زمنية فهذا يعني أنهم تخلوا عن الصفة التي حكم الله لهم بسببها بأنهم أقرب مودة. وإن تمسكوا بها على العين والرأس. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وإذا سمعوا مآ أنزل... ﴾.